ثم ينتقل الكاتب إلى حقيقة الإنسان في التصور الإسلامي، فالقرآن الكريم يفصل مصدر الإنسان ومنشأه وطبيعته ومركزه في هذا الوجود باعتباره قمة الكائنات وأكرمها (ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا) [الإسراء:70] في حسن صورة ودقة تكوين (لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم) [التين:4] رغم أصله الطيني (الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين ثم جعل نسله ...) [السجدة: 7-9] مما يدحض فرية الترقي (النشوء والارتقاء) الداروينية، إذ إن نصوص القرآن متواترة على خصائص هذا الإنسان ووظائفه التي قد صاحبت خلقه؛ فهو تتمة لإبداع إلهي بما أُوتي من مواهبُ ورُزق من قوى تؤهله للتعامل مع هذا الكون المسخر له (ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور) [النور:40] وبما ركب في نفسه من خير وشر لطبيعته الطينية الروحية (ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها...) [الشمس: 7-10] ، وتلك الغيبية التي سبق الحديث عنها تفرض نفسها على الإنسان في خلقه وتكوينه (والله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد...) [ الرعد: 8] وهو في ذاته دليل على وجود الله تعالى وقدرته (يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ...) [الحج: 5] ، ثم هو مدعو للتفكير في نفسه وعجائب خلقه (وفي أنفسكم أفلا تبصرون) [ الذاريات:21] ليتبين توافقه مع الكون المحيط به في هالة من النعم المتزايدة (وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها) [ إبراهيم: 34] بما زود به من آليات لإدراك الحقائق ( ... وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة ...) [ النحل: 78] ، مختاراً لخلافة الله في أرضه (إني جاعل في الأرض خليفة) [البقرة:30] رغم ما تقوم عليه بنيته من ضعف جسدي وعجز نفسي (وخلق الإنسان ضعيفا) [ النساء:28] . وقد حباه الله بفكر يعقل به رسالات الله ويحصّل به المعارف ويتبين به الآيات (وقد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون ) [آل عمران: 118] ، إن مطلقية المشيئة الإلهية تجعل مرد الأمر كله إلى الله (قل كل من عند الله) [النساء:78] في تناسب دقيق بين هذه المشيئة والاختيار الإرادي للعبد في جو من الجبر (وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة) وإطار من الاختيار (فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها..) [يونس:108] ومواجهة مع الشيطان (إن الشيطان للإنسان عدو مبين) [يوسف:5] ، ثم إن الإنسان بوصفه مكلفاً من قبل الله تظل علاقته بهذا الكون متمثلة في الاستثمار والانتفاع من جهة والاعتبار والاتعاظ والنظر من جهة أخرى (وفي الأرض آيات للموقنين ) [الذاريات:20] في عبودية مطلقة لله تعالى فلا يعبد إلا هو، ولا يعبده إلا بما شرع داخل سور من الحب والود (والذين آمنوا أشد حباً لله) [البقرة:165] .
والإنسان في هذا منقسم إلى قسمين: مسلم وكافر حسب الاستجابة لمقتضيات تلك العبودية والإعراض عنها، وقد جعل الله قيادة البشرية لتلك الفئة المؤمنة (أن الأرض يرثها عبادي الصالحون ) [الأنبياء:105] رغم المساواة في الأصل الإنساني (الذي خلقكم من نفس واحدة) [النساء:1] (كلكم لآدم...) والذي بث منه الذكر والأنثى (خلقناكم من ذكر وأنثى) [الحجرات:13] ، والإنسان بما جبل عليه من ضعف، وما ركب فيه من شهوة تجعله ميالاً إلى الخطيئة، جعل الله له منها التوبة مخلصاً (فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم) [ البقرة:37] ، غير أن توازن هذا الإنسان واستقامته تنشأ عنها إقامة مجتمع متوازن مستقيم، فقد جبله الله على القيم العليا التي هي جزء من فطرته، وحباه بالإيمان الذي يقوده إلى كل فضيلة وألبسه تاج الإسلام، يقول قطب رحمه الله:"يبدو أن المسيحية رؤيا في عالم المثال المجرد يلوّح بها للبشر في ملكوت السماء وأن الإسلام هو حلم الإنسانية الخالد مجسّماً في حقيقة تعيش على الأرض وأن الشيوعية والمذاهب الغربية هي حقد البشرية العارض في جيل من الأجيال)."
ثم يعرج الكاتب على الحديث عن خصائص التصور الإسلامي ليستهل حديثه بمزايا هذا التصور والتي تتقدمها الربانية (وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا) [الشورى:52] وموافقة الفطرة (فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرة الله التي فطر الناس عليها) [الروم:30] والتصور المبرهن (قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين) [البقرة:111] في وسطية تدفع النشاز (... وجعلناكم أمة وسطا) [البقرة:143] وتصور ثابت وكامل وشامل ومتزن في إيجابية وواقعية وتوحيد (وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون) [ الأنبياء:25] .