إذا نظرنا إلى الحالة الإسرائيلية مع الحالة العربية، سنجد أن هذا الكيان الصغير يؤثر على مجموعة كبيرة جداً من الدول، ويقودها إلى الاستسلام!! وهذا ما لم يكن ممكناً لولا استخدام فن المحاربة النفسية بكثافة شديدة وعنيفة، ما أدى إلى انكسار إرادة قادة أغلب هذه الدول أمام تلك الأوضاع.
آليات البعث النفسي ومواجهة الحرب النفسية
وإذا كانت الحرب النفسية تريد أن تقنعنا كأمم وشعوب بعقم المقاومة، وحتمية الهزيمة، فالمطلوب منا أن نواجه المعركة الضخمة من الحرب النفسية - التي مجالها العقول والنفوس، والتي تستخدم فيها الكلمات والعبارات والإجراءات- بحرب نفسية مضادة، أو بعملية إنقاذ نفسية، إن صح التعبير.
آليات للبعث النفسي
ومواجهة الحرب النفسية
الدعاية
الإعلام
التعليم
المباشرة
غير المباشرة
التنسيق بين كل الجهات لتفعيل المكنة النفسية
وفي آليات البعث النفسي: فإن واجب الإعلام اليوم هو الاهتمام بأدوات التعليم. وواجب قادة الدول الإسلامية وحكوماتها هو إعادة صياغة الخطاب الجماهيري. وإعادة صياغة التعليم، وكل أشكال التوجيه؛ لإيجاد كتلة حرجة مؤمنة بإمكانية النجاح، ومحصنة ضد عوامل اليأس. وهذا يحتاج إلى تعاون بين المفكرين وبين قادة هذه المجتمعات وحكوماتها، وبين قادة الرأي وبين العاملين في الإعلام، والتعليم؛ حتى تصبح نظرية الحرب النفسية مفهومة، وتصبح جزءاً من تكوين الفرد المسلم العربي في مجتمعاتنا. لابد من فهم مؤكد لقضية المحاربة النفسية، وأثرها في التأثير على المجتمعات.
إذن لابد من باعث نفسي داخلي كبير، ليتم تغيير الواقع الخارجي. فانتصار الطرف الآخر علينا - داخلياً في أفكارنا ونفوسنا - يعني عملياً انتصاره علينا في واقعنا. أما انتصارنا على أنفسنا في الداخل، فيعني إمكانية تحقيق النتائج في الخارج.
وخلاصة القول أنه لا نجاح للفكرة المركزية إذا لم ينجح البعث النفسي34. والبعث النفسي يبدأ من الفرد والمجموعة المؤمنة بمشروع النهضة وينتهي بالأمة معقد الآمال.
ونجاح هذا البعث النفسي يتطلب:
* أولاً: إعادة عرض الفكرة المركزية وتاريخها.
* ثانياً: عمل تراكم في الإنجازات العملية.
* ثالثاً: توظيف إنجازات الآخرين لصالح المشروع.
* رابعاً: حسن عرض الإنجازات.
فإعادة عرض التاريخ واختيار المواطن التي تغرس العزة والأمل أمر في غاية الأهمية. كما أن الإنجازات الفعلية أمر لابد منه. خاصة في مجتمعاتنا التي أرهقتها التحديات. يقول دووب:"يظل الرأي العام كامناً إلى أن ينشأ موضوع يشغل اهتمام الناس - والموضوع الذي يشغل اهتمام الناس لا ينشأ"
إلا عندما يكون هناك صراع وقلق وإحباط".35"
ومن هنا نفهم خطورة المقاومتين الفلسطينية والعراقية على المشروع الغربي. فالمجتمعات والشعوب العربية والإسلامية تدرك تماماً أن هاتين المقاومتين تُحارَبان من قِبَل الجيوش المحتلة، ومن قِبَل أجهزة استخبارات تلك الدول. ومع ذلك لا تزال تلك المقاومة تصر على الفعل المُقاوِم، بل وتحرز الكثير من الإنجازات والمكاسب. فهي بذلك تُجرئ الشعوب العربية والإسلامية على الفعل المقاوم، وتبعث فيهم المكنة النفسية والقوة الدافعة من خلال تراكم الإنجازات العملية على أرض الواقع. ومن هنا تأتي الخطورة الحقيقية للمقاومة على مشاريع الاحتلال. فهي تَجْرِييء للشعوب على المقاومة، ليُفاجأ المحتلون بأنهم لا يحاربون مجموعة أو مجموعتين من المقاومين؛ بل يحاربون الشعوب كلها، وهو ما يهدد مشاريع الاحتلال في صميمها.
أما قضية استثمار إنجازات الآخرين التي تصب في صالح المشروع فلا يزال التخندق - الذي يخيم على بعض العاملين في النهضة- حائلاً دون ذلك. فبعض التيارات لا تعرض سوى إنجازاتها، ولا تعرض إنجازات غيرها ممن قد يخالفها في المدرسة الفقهية أو في مجالات العمل. وهم بذلك يضيقون واسعاً، ويظنون أنهم - وحدهم - ممثلو الأمة، بل وبعضهم يزيد على ذلك فينقد أي إنجاز لتيار آخر، ويخرجه من دائرة الإنجازات.
إن هذه العقلية الطفولية التي لا تنظر لصالح الإسلام ومشروعه هي عقبة كئود في طريق النهضة، وهذه النظرة أرهقتنا كثيراً في مرحلة الصحوة ونتج عنها مشاحنات وخلافات بين أبناء
المشروع نفسه. لسان حال بعض هذه التيارات: {لو كان خيراً ما سبقونا إليه} 36. ومرحلة اليقظة تتطلب الإنصاف في عرض الإنجازات، والإيمان بأنها كلها ملك للأمة، وأنها جهود من تيارات مختلفة تعددت اجتهاداتها، فتنوعت إنجازاتها. لقد آن للمشروع أن تقوده عقليات قائدة - تجمع لا تفرق - لا تنظر إلا سفاسف الأمور بل توظف كل إنجاز لرفع الروح المعنوية للأمة. ويكفي أن الوحي بشر بانتصار الروم - وهم ليسوا مسلمين - ليرفع معنويات الأمة آنذاك. قال تعالى: {غلبت الروم. في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون. في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون. بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم} 37.
إن استثمار كل إنجاز لأي تيار وعرضه للجماهير أمر هام جداً في عملية البعث النفسي.