ولننظر إلى شريحة البدء التي تجمعت حول رسول الله صلى الله عليه وسلم في مكة. فقد تكونت من أناس آمنوا بالفكرة الجديدة إيماناً جازماً قويا.ً فتجمعوا حولها وحول قيادتها، وبدءوا في الدعوة إليها والتبشير بها في المجتمع المكي.
وقد ضمت هذه الشريحة النساء والرجال، والشيوخ والأطفال، والأحرار والعبيد، والأقوياء والضعفاء. إنهم خليط من الناس الذين اجتمعوا حول فكرة ما في مجتمع ما في مرحلة ما، فآمنوا بهذه الفكرة، وأخذوا يدعون إليها، وكانوا على أتم الاستعداد للتضحية والبذل في سبيلها.
وبالرغم من أن هذه الشريحة ضمت العديد من الكوادر النوعية التي تملك الكثير من المهارات والقدرات والإمكانات كأبي بكر الصديق وعثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف في المجال الاقتصادي، ومصعب بن عمير في مجال التمثيل الدبلوماسي - إن صح التعبير - وعمر بن الخطاب وحمزة بن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب في القوة والشدة والفروسية وغيرهم؛ إلا أن تلك الشريحة لم تكن تملك في مجموعها القوة الكفيلة بإحداث التغيير وقلب ميزان القوى لصالحها؛ بل إن إسلام حمزة وعمر - الذيْن أعز الله بهما الإسلام - لم تزد ثمراته عن إعلان المسلمين عن أنفسهم وشعائرهم.
دور الشريحة
ويكاد ينحصر دور شريحة البدء - في مجموعها - في التبشير والتعريف بالفكرة، والثبات عليها والصمود أمام الترغيب والترهيب الرامي إلى إثنائها عن التبشير والدعوة للفكرة.
وهنا يجب التنبيه إلى أن شريحة البدء لها عمر افتراضي محدد. وأن لتلك المرحلة التي تمثلها هذه الشريحة وقتاً ودوراً محدديْن. أما إذا طال أمدها ولم يتم الوصول إلى شريحة التغيير تفقد هذه الشريحة
الاتجاه، وتصاب بحالة أشبه بالشلل الفكري والتنفيذي. حيث أنها تعتقد بقدرتها على إحداث التغيير. بينما يؤدي فشلها المتكرر - نتيجة لعدم توفر الكتلة الحرجة من القوى والإمكانات - إلى فقدان الثقة بالنفس، واليأس من إمكانية التغيير، فتعلو الصيحات المطالبة بالاكتفاء بإصلاح الأوضاع الفاسدة بدلاً من تغييرها، فتخبو نبرة القوة وتلين حدة الفكرة.
مواصفات الشريحة
ومن مواصفات هذه الشريحة الثبات والصبر والصمود والقوة، والقدرة على التبليغ والتعريف بالفكرة، وعلى الدخول بها في مساحات لم تكن قد طرقتها من قبل. كإسلام القبائل غير القرشية كقبيلتي غفار ودوْس45. كما تتصف هذه الشريحة - في مجموعها - بالاعتماد شبه الكامل على القائد46.
وهكذا نجد أن إيجاد هذه الشريحة يكاد يكون نقطة البداية الطبيعية لأي حركة أو عملية تغييرية نهضوية.
دور القائد في هذه المرحلة
أما دور القائد في هذه المرحلة فهو رسم الطريق لأتباعه وتأمينهم وحمايتهم بكل طريقة ممكنة، بالإضافة إلى البحث الدءوب عن الشريحة القادرة على إحداث التغيير.
شريحة التغيير:
عادةً تحتاج المشاريع الكبرى كالمشاريع الحضارية، والنهضوية، والمشاريع الأيديولوجية - والتي تهدف إلى استنهاض المجتمعات وتنميتها - إلى القوة التنفيذية لإنجازها. بمعنى أنها تحتاج إلى دولة تملك حق تطبيق هذه الأيديولوجيات أو المشاريع الحضارية على المجتمعات التي تهيمن عليها. وحتى يخطو المشروع هذه الخطوة فهو يحتاج إلى شريحة ثانية. ويمكن تعريف هذه الشريحة، بأنها الفئة القادرة على إعطاء المنعة والتمكين (توفير أداة التنفيذ) ، أو ما يطلق عليها في التعبير الشرعي"ذوو الشوكة"الذين يستطيعون نقل دعم الفكرة بقوة الدولة وما تمتلكه من إمكانات.
ولا نعني بكلامنا هذا إلغاء دور شريحة البدء في عملية التغيير؛ ولكننا نقصد أن شريحة البدء لا تمتلك - في مجموعها - أدوات القوة اللازمة لإحداث التغيير. سواءً أكانت تلك القوة المطلوبة عسكرية أو اقتصادية أو سياسية أو غيرها. وهنا يأتي دور شريحة التغيير التي تمتلك - في مجموعها - هذه القوة المطلوبة، فتمضي الشريحتان معاً - الرعيل الأول وذوو الشوكة - لإحداث التغيير المطلوب.
شريحة البناء:
وعندما تتوفر للفكرة أدوات التنفيذ، وتقوم الدولة المنشودة؛ تأتي مهمة شريحة البناء. وهي شريحة تشمل كل فصائل المجتمع؛ المؤمن بالفكرة وغير المؤمن بها. فيساهم في عملية البناء مختلف الطاقات والفصائل والتيارات الموجودة في المجتمع كجزء من التحولات الاجتماعية والحراك الاجتماعي، مع تفاوت في مساهماتها في عملية البناء. وهنا يلزم عقد اجتماعي يعمل على استيعاب جميع شرائح المجتمع وفئاته بحيث تصبح أداة من أدوات التنمية وتجنيبها أن تصبح عصا لوقف عملية التنمية.
الشرائح الثلاث معاً:
الشريحة الأولى، وهي نقطة البدء سواءً كانت تجمع النوع الذي التف حول المصطفى صلى الله عليه وسلم أو كانت حزباً أو تجمعاً أو حتى أفراداً فهي عبارة عن طليعة أوعقل مفكر. إنها كيان صغير. قد يكون هامشياً ومعزولاً، وقد يكون في قلب الأحداث، لكنها على كل حال نقطة بدء.