فهرس الكتاب

الصفحة 17550 من 27364

ثم تأتي الشريحة الثانية بعدها، وهي الفئة القادرة على إعطاء المنعة والتمكين، إذا ما وجدت المبرر لذلك. ثم تتحرك شريحة البناء -والتي تضم كل طاقات المجتمع مجتمعة - من أجل نصرة الفكرة. ولا يُفَعَّل دور هذه الشريحة (البناء) إلا بعد توفر الأداة التنفيذية (الدولة) وبناء العقد الاجتماعي العادل الذي ينصف كل الشرائح.

اختيار الشرائح

والمعضلة الحقيقية التي يعاني منها العاملون في مجال النهضة هي الخلط بين هذه الشرائح الثلاث أو الجهل بها. فكثير من التجمعات أو التيارات والمؤسسات لا تعدو كونها شريحة بدء، ولا تمتلك من الكوادر النوعية وأدوات القوة المناسبة ما يؤهلها لإحداث التغييرات المأمولة. فتدخل في صراعات نتائجها محسومة مسبقاً لصالح الخصم، بدلاً من الانشغال بالوصول إلى شريحة التغيير المؤهلة لإحداث النقلة المطلوبة.

وسنجد أن بعض التجمعات والتنظيمات هي أقرب ما تكون في كوادرها وعقلياتها وقدراتها إلى شريحة البناء المنوط بها إدارة المشروع عقب الوصول إلى الأداة التنفيذية، بينما يزج بهم قادتهم في عمليات تغيير محسومة لصالح الخصم. فيخسر المشروع كوادره الصالحين لعملية البناء بعد التغيير.

نفهم من ذلك أن الخلط أو الجهل بهذه الشرائح يؤدي إلى كوارث حقيقية في ميادين التغيير. كما يصيب أفراد هذه الشرائح بالإحباط واليأس والشعور بالعجز.

إذا تبين لنا خطورة الخلط بين الشرائح الثلاث أو الجهل بها، وقرر قادة النهضة وطلابها ضرورة اختيار الشريحة المناسبة لكل مرحلة، نجد أمامنا معضلة أخرى كبيرة. فشريحة البدء يسهل تكوينها بأي صورة من الصور. فاجتماع أناس حول فكرة ما واقتناعهم بأهميتها، ثم إنشاء منظمة أو تنظيم أو حزب أو جماعة لمحاولة تنفيذ هذه الفكرة على أرض الواقع أمر في غاية السهولة. ولا أَدَّلُ على ذلك من كثرة التنظيمات والجماعات والفصائل والتيارات في العالم الإسلامي؛ بل وفي العالم كله. فالتنظيمات والتجمعات أكثر من أن تحصى. إنما المعضلة الحقيقة التي تقف أمام المشاريع، هي الوصول إلى شريحة التغيير القادرة على نقل المشروع من مجرد تنظيم أو تيار أو جماعة تُحارَب وتُقاوَم إلى دولة تحمل المشروع وتذود عنه وتصبغ المجتمع به.

ويظن البعض نتيجة لقراءاتهم للتاريخ، أو تقليداً لمقولات الأقدمين، أن هناك طريقة واحدة للوصول إلى هذه الشريحة التي لديها المنعة. ولكن الدراسة التاريخية المركزة تشير إلى أن عملية الوصول إلى هذه النقطة، والانتقال بالمشروع من طور الاستضعاف إلى طور التمكين، له من الوسائل ومن الاختلافات ما بين فصول السنة وما بين الليل والنهار وما بين تعدد الألوان والظلال في الكون. فالساحة مفتوحة للتفكير والتصور والتخيل؛ لا تحدها حدود.

خيار الرسول

ولننظر في سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم فلقد ظل رسول ا صلى الله عليه وسلم يدعو أهله وأصدقاءه وعشيرته المقربين سراً مدة ثلاث سنوات. بعدها كان الجهر بالدعوة. فكانت دعوة كبراء مكة للإسلام، واتباع القيادة الجديدة. وظل رسول ا صلى الله عليه وسلم يرجو أن يؤتي هذا الخيار ثماره بإسلام القيادة المكية - شريحة التغيير - التي تستطيع نقل الفكرة الإسلامية من جماعة مضطهدة مستضعفة إلى دولة - إن صح التعبير - تملك تطبيق البرنامج الإسلامي على كل المجتمع المكي وتصبغه بالصبغة الإسلامية. ولكن هذا الخيار لم يؤتي ثماره. فالقيادة المكية ظلت على شركها، وظلت مقاومة ومعاندة.

وبدءاً من العام العاشر للبعثة، أي بعد سبعة سنوات من محاولة الوصول لشريحة التغيير المكية، وإحساس صلى الله عليه وسلم بعدم جدوى هذه المحاولة، انتقل الرسو صلى الله عليه وسلم إلى محاولة الحصول على شريحة التغيير من خارج مكة، من خلال الاتصال بالقبائل المحيطة، فكانت البداية بخروجه للطائف - ثاني أكبر قبيلة بعد قريش. وفي هذا يقول المقريزي:"ثم عرض r نفسه على القبائل أيام الموسم، ودعاهم إلى الإسلام، وهم:"

1.بنو عامر،

2.وغسان،

3.وبنو فزارة،

4.وبنو مرة،

5.وبنو حنيفة،

6.وبنو سليم،

7.وبنو عبس،

8.وبنو نصر،

9.وثعلبة بن عكابة،

10.وكندة،

11.وكلب،

12.وبنو الحارث بن كعب،

13.وبنو عذرة وقيس بن الخطيم،

14.وأبو اليسر أنس بن أبي رافع".47"

فإذا أضفنا إلى هذه القبائل محاولة الطائف ومحاولته مع أهل يثرب سنجد أن مجموع المحاولات التي قام بها الرسو صلى الله عليه وسلم للوصول إلى الشريحة التغييرية يصل إلى ستة عشر محاولة.

ثم لننتقل إلى نوع الخطاب الذي كان الرسو صلى الله عليه وسلم يوجهه إلى هذه القبائل. يقول المقريزي:

".. وجعل يقول: من رجل يحملني إلى قومه فيمنعني حتى أبلغ رسالة ربي فإن قريشاً قد منعوني أن أبلغ رسالة ربي؟"48.

وسنلاحظ هنا وضوح دور الشريحة في قوله"فيمنعني". أي أنه يريد القوة والمنعة والشوكة ممن

يستجيب له من القبائل.49

وإذا انتقلنا إلى نوع التفاوض الذي تم، ونوع الشروط التي تم وضعها، سنجد أن الهدف الأساسي هو الوصول إلى قوة قادرة على وضع المشروع في موقع التنفيذ من خلال كامل أجهزة الدولة وطاقاتها وملكاتها وقدراتها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت