فهرس الكتاب

الصفحة 17551 من 27364

وحتى عندما حصل رسول ا صلى الله عليه وسلم على الشريحة ذات الشوكة تدرج في مفاوضاته معها. فكانت البيعة الصغرى أو بيعة النساء. وسنجد أن بنود هذه البيعة خاليةً من قضية المنعة، وامتلاك القوة. لأن صلى الله عليه وسلم لا يستطيع الجزم بعد بإمكانيات هذه الفئة القادمة التي قد لا تمتلك مثل هذه القوة المطلوبة. وهكذا

أرسل رسول ا صلى الله عليه وسلم مبعوثه مصعب بن عمير إلى يثرب ليرفع واقع المجتمع اليثربي، وللوصول إلى الشريحة القيادية التغييرية هناك.

أما بيعة العقبة الثانية فكانت مع أهل المنعة. وكانت مع قيادات يثرب الذين يستطيعون أن يدعموا المصطفى صلى الله عليه وسلم بالقوة التنفيذية.

إذن هذا السعي المتعدد، هو وليد دراسة البيئة. فقد كان تكوين البيئة السياسي تكويناً تمتلك فيه القبائل جيوشها الخاصة. وكان يمكن الانتقال إلى قبيلة ذات منعة، لتكوين أول نواة تمتلك قوة حقيقية، كما تمتلك سلطتها التنفيذية.

بعض العاملين في الساحة النهضوية يقفون عند هذا النموذج. ولا يرون فيه المفهوم بل يرون فيه الإطلاق. بمعنى أنهم يتركون المفهوم وهو ضرورة الوصول إلى الشريحة ذات الشوكة والمنعة ويأخذون التجربة على إطلاقها بمعنى أهمية الهجرة وتكوين جيش كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم والحقيقة الساطعة للعيان أن من يتبع الإطلاق ويفتقد المفهوم يعاني من خلل في تصوره عن المفهوم الأساسي وهو أهمية الوصول إلى القوة التنفيذية، أياً كانت طبيعتها، والتي تختلف بالضرورة باختلاف الزمان والمكان والظروف.

الخيار الروسي

أما في تجربة الثورة البلشفية في روسيا فقد كان الثوار الروس يفكرون في كيفية الوصول إلى هذه المنعة، والوصل إلى الفئة التي تستطيع أن تنقل السلطة التنفيذية إليهم؟! وهنا وقع اختيارهم على طبقة العمال. فالحزب الشيوعي حدد نقطة البدء، وحدد الشريحة التي ستنقل إليه المنعة والقوة، فاختار عمال المصانع.

والدولة الروسية كانت من الدول الصناعية - وكانت ساعتها متخلفة صناعياً عن بقية أوروبا - التي تعتمد في اقتصادها على المصانع والصناعات المختلفة. ومن المعروف أن الذين يحركون هذه المصانع هم العمال. وبذلك فإنهم يمثلون عصب الاقتصاد الروسي. وعندما تمكن الثوار الروس من الوصول إلى هذه الشريحة أصبحوا بالفعل يتحكمون في الاقتصاد.

ولما كان المال هو أحد أعصاب القوة الرئيسة للدولة كانت السيطرة عليه تجعل الثوار يمتلكون زمام المبادرة والقدرة على إحداث التغيير، وفرض إرادتهم وإملاء شروطهم على النظام القيصري الذي كانوا يعملون على إزالته.

الخيار الصيني

وحتى الصين في نهضتها الحديثة لم تهمل هذا القانون. فرغم اختيار ماوتسي تونج للشيوعية كوسيلة لتطوير الصين إلا أنه لم يستنسخ التجربة الروسية؛ بل اختار شريحة أخرى مغايرة للشريحة التي اختارتها الثورة الروسية. فبينما كانت شريحة العمال هي الشريحة المؤثرة في روسيا كانت شريحة

الفلاحين هي الشريحة المؤثرة في الصين. لذا اعتمد ماوتسي تونج على الفلاحين لإسقاط النظام الإمبراطوري الإقطاعي.

التجربة العباسية

وإذا درسنا نموذج قيام الدولة العباسية، سنجد أن العباسيين قد راهنوا على التبشير في منطقة نائية هي منطقة خراسان. وبالرغم من أن القوة المتطلعة للتغيير هي قوة عربية إلا أن اختيار أهل خراسان كان بناءً على مواصفات ومعايير محددة. وضعها مؤسس الدعوة العباسية محمد بن علي بن عبد

الله بن عباس. حيث نجده يقول: {"إن الشام أموية ولا يعرفون إلا آل أبي سفيان، والبصرة عثمانية -نسبة إلى عثمان بن عفان- أي يدينون بالكف عن القتل والقتال، ويقولون كن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل، والكوفة شيعة علي، وأما الجزيرة- بين دجلة والفرات- فخوارج مارقة، أعراب مسلمون في أخلاق النصارى، وأما مكة والمدينة فتعيشان على ذكرى أبي بكر وعمر50، وأما خراسان ففيها العدد الكثير والجلد الظاهر، وصدور سليمة، وقلوب فارغة لم تتقسمها الأهواء". فأهل خراسان بتعبير اليوم هم"مادة خام".} 51 هذا بالإضافة إلى بعدها عن مركز الدولة في دمشق.

هذا التعدد والتنوع والتلون في اختيار الشريحة المناسبة لعملية التغيير، وفي اختيار التموقع المناسب لشريحة البدء لا تحده حدود، وليس له نمط واحد أو طريقة واحدة. والفكر الإنساني والتجربة البشرية غنية ومليئة بالتجارب والأفكار والإبداعات والابتكارات. لذلك فإن الفئات التي تتكلس

حول تصور واحد حول ما يجب عمله، وتغلق عقلها ولا تترك لخيالها العنان ليبدع ويبتكر؛ لا يمكن أن تحقق نهضة. فهذه الاختيارات الجامدة والتقليد الحرفي، يحول دون التفكير المهتدي بسنن الله سبحانه وتعالى في الكون.

الشرائح التغييرية

ويمكن تقسيم الشريحة التغييرية طبقاُ للاعتبارات التالية:

1.الأعمار: طلاب أو ما فوقهم.

2.الطبقة الاجتماعية: عليا أو وسطى أو دنيا.

3.المهن: العمال أو الفلاحين أو المثقفين أو التجار أو العسكريين.

4.المستوى التعليمي: أساسي أو جامعي.

واختيار الشريحة المناسبة عمرياً واجتماعياً ومهنياً وتعليمياً يعتمد على ثلاثة عوامل:

1.تصور التغيير.

2.وسيلة التغيير.

3.عمق التغيير (مدى التغيير المطلوب هل هو شامل أم جزئي؟) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت