إن العلمانية تُستعمل في الغرب سلطة وليست مفهوماً معالجاً، وهكذا هي في الرسم الفلسفي لها، لكن كثيراً من المجموعات الغربية ولاسيما الثقافية تريد أن تتحدث عن العلمانية كمفهوم راقٍ، مؤهل لحل مشاكل العالم كله، وأن على المسلمين أن يستوعبوا هذا الحل ويؤمنوا به كضمان لتطورهم، وصلاحيتهم للبقاء كما يفترض (فرانسيس فوكوياما) ، وكأنه نسي أن الغرب حين صدّر العلمانية أو فرضها في بعض الدول الإسلامية أوجد أزمات من الارتكاس والتخلف، ولم يستنكر الغرب الاستفادة التي اقتبستها العلمانية في بعض البلاد الإسلامية من العقلية الشيوعية في فرض الذات والاستبداد والدكتاتورية، وربما كان هذا شكلاً من العلاقة معقولاً في فلسفة الغرب!!
وإن كنا ندرك أن العالم الإسلامي ليس أرضاً صالحة للعلمانية مهما كانت الظروف؛ لأنه لا يعاني مشكلة مع الدِّين كما عانى ويعاني الغرب.
صحيح أن هناك مشاكل نسبية مصدَّرة إلى الغرب، لكن بكل تأكيد فإن الغرب يصدر للعالم الإسلامي مشاكل أكثر عمقاً، وأيضاً فإن من السذاجة والوهم أن يُفترض أن المشاكل الملحة في الغرب مصدرة من العالم الإسلامي.
إن أحداث الحادي عشر من سبتمبر يجب ألاّ تتحول إلى سلطة تحاصر التفكير والعقلانية في قراءة المشكلة التي تواجه الغرب.
يقول أحد فلاسفة الغرب: إن كل إنسان يمكن أن يكون مفكراً حراً.
وربما كان يتحدث عن حقيقة مهمة، وهي: أن كل إنسان يمكن أن يتعرف على الحقيقة.
بدون شك المجتمع الأمريكي يشكل سوقاً مفتوحة للأفكار كما يقول (فوكوياما) ، ولكن الأقوى من الفكر هي مؤسسات الضغط، والتأميم الغربية السياسية والاقتصادية والثقافية والإعلامية، التي تتمتع بتقاطع في المصالح خاصة في حركتها داخل المجتمع الغربي المستهلك، وإن كانت قد تكون قادرة على التوحّد في الحركة الخارجية إلى حد ما.
إن الفرد الغربي هنا يعيش تحت سلطة هذه المجموعة الساحقة لخياراته الخاصة.
صحيح أن الفرد في الغرب يشعر بنوع من التعدّديّة في الاختيار، لكنها خيارات محدودة فرضها تصارع القوى المنتجة داخل المجتمع الغربي، وفي دائرة اللاوعي فإن الفرد الغربي لا يتمتع بحرية خاصة، بل يبقى أن الخيارات الثقافية والاجتماعية مفروضة عليه باسم الحرية، والحقيقة أنها مجموعة من السلطات المتعددة المستبدة، وربما كانت الكنيسة أكثر هدوءًا وعفوية في استهلاك الفرد لصالحها.
5/ غطرسة القوة والشر:
إن الغرب يعيش مشكلة ملحَّة في داخله هو عاجز عن قراءتها، وهنا من الأفضل أن يصرف جهوده المزعومة لمعالجة مشكلة العالم الإسلامي إلى قراءة مشكلته الخاصة التي لم يكن العالم الإسلامي يوماً طرفاً فيها بإقرار الغرب نفسه.
إن الغرب عاجز عن استيعاب ذاته، كما هو عاجز عن استيعاب الآخرين.
حينما يفترض الغرب أن شرط صلاحياتك للبقاء ألاّ تكره الغرب ومفاهيمه الخاصة التي تتجه لسحق الآخرين، في حين أنه يمارس صناعة الأزمة المصعِّدة لمفهوم العداء ليس عند المسلمين فقط، بل هذه ظاهرة مشاهدة في القوى العالمية القائمة، فهو يطرح معادلة من الصعب على كل قوانين العلم والعقل أن تستوعبها أو تحترمها.
إن كراهية الغرب ليست أزمة صنعها المسلمون، بل ثمة مؤثرات متعددة في هذا الواقع.
وكثير من المجتمعات والشعوب في العالم كله تكره الغرب، وحتى تلك الدول التي قد تتأثر ببعض الأنماط السلوكية الغربية تبقى على تقاطع مع الغرب في مفاصل أكثر أهمية.
ومن المهم أن يدرك المفكرون هناك أن شيئاً من مظاهر الإعجاب بالغرب لا تعني الإيمان به بكل تأكيد, وأن وجود مطاعم (ماكدونالد) التي لفتت نظر (فوكوياما) في المغرب لا تعني الكثير!
العالم بشتى دياناته يعيش ظاهرة عامة من الكراهية للغرب وحتى التجمعات اللادينية تراهن على هذا الخيار، ومن المفضّل أن نحافظ على تذكر تجربة الغرب مع الاتحاد السوفيتي الذي لم يكن يشكل مفهوماً دينياً.
والغرب يرى لنفسه حق كراهية الآخرين، ووصفهم بالشر، وصناعة مشاريع للصراع معهم، لكنه يختار أن تبادل الشعور بينه وبينهم يُعدّ جريمة من الضروري أن يصدّق عليها كل العالم تحت قانون"إن لم تكن معي فأنت ضدي"، وهذا القانون يفترض أن يؤمن به الغرب نفسه حين يُقدمه له العالم الإسلامي أو غيره من القوى الحضارية التي تفضِّل حتى الآن أن تتمتع بوجودها وسيادتها فقط، لكن الغرب في صراعه يتحرك تحت مفهوم تعطيل حركة الوجود لهذه القوى أياً كانت آلية الوصول إلى هذا الهدف ودرجتها الأخلاقية.
ربما من المشكل في العقلية الغربية أنها عقلية ذاتية مطالِبة، من الصعب أن تستوعب خيارات الآخرين ومطالبهم، وليس سراً أن الغرب يكره القوى الحضارية المنافسة له، وفي مقدمتها العالم الإسلامي الذي قد تكون خطواته أكثر سرعة في ممارسة تعويق الاستبداد الغربي.
إننا لم نطالب الغرب يوماً ما ألاّ يكرهنا إذا كان يفضل ذلك، ونفضل أن نتركه يمارس خياراته، لكننا نطالب أن يكون هناك قدر من الأدب الأخلاقي.