فهرس الكتاب
هذا كله من الناحية المرضية البحتة ، وإلا فهناك مشاكل من نوع آخر فهناك غياب للبيئة الإدارية في المشافي وخلافات بين الإدارات الجديدة للمشافي والإدراة السابقة ؛ وهناك غياب للنظام وللتموين وغياب للأدوية ، وغياب حاد جداً للتبريد بسبب غياب الكهرباء وهذا يؤدي إلىفساد الادوية ، وقد فسدت كل التطعيمات الموجودة في العراق التي تقدر قيمتها بعشرات الملايين من الدولارات ، هذا غير فساد الأدوية الأخرى والتي تقدر ربما بعشرات الملايين من الدولارات أمام مسمع ومرأى من العالم ، ولقد شهدت نقاشات حادة مع الإمريكين من مسئولي الصحة في نهاية شهر نيسان إبريل الماضي ، وقمت انا شخصياً بمناقشة هذه القضايا مع الزبيدي المحافظ السابق والذي لم أجد منه إلا البسمات الصفراء ، ومع غيره من الإمريكين والذي لم أجد منهم أي تقدير لهذه القضية الإنسانية الخطرة .
إذا نظرنا للصحة بأنها الحالة المتكاملة اجتماعيا ونفسياً وروحياً ؛ فلا يمكن انكار غياب الأمن وانتشار الجريمة ؛ لا يمكن إنكار هذه القضية لأنها سبب من اسباب الصحة النفسية والعضوية ، وهذه ظاهرة بشكل يومي خاصة مع دخول بعض الحاقدين من المرتزقة من بعض دول الجوار والذين مازال الحقد المترف يعشعش في عقولهم ويخرب قلوبهم وإسلامهم ، فجاؤوا ينتقمون و يشعلون الحرائق ويثيرون البلابل والفتن ، هذا كله يهدد البنية الإجتماعية والصحية والإقتصادية للعراق الشقيق .
فخلاصة القول أن الوضع الإجتماعي والصحي والإقتصادي هو وضع مزر جداً ، فهنا لابد من وقوف مع ثلاث وقفات:
الوقفة الاولى: أن المنظمات الإنسانية الرسمية ؛ كمنظمة الصليب الأحمر والمنظمات الأخرى التابعة للأمم المتحدة ؛ لم يلمس لها أي دور ملموس في أثناء الحرب وقبل الحرب وبعد الحرب مباشرة ، وقد خرجت في نهاية شهر نيسان وعدت مرة أخرى ولم تأتي ولا حبة دواء واحدة لكثير من المستشفيات وإن قلت لكل المستشفيات لم أكن مخطئاً ؛ خاصة من الصليب الأحمر ، وهذه المنظمة تأريخها اسود في قضايا المسلمين ، ويمكن مراجعة الأدبيات التي كتبت في عام 1948 في فلسطين ( انظر ذكريات الدكتور مصطفى السباعي رحمه الله مثلاً ) ، والأدبيات التي كتبت حول هذه المنظمة في إفريقيا وآسيا وتعاملها المتطرف مع المسلمين خاصة ، وعلى كل حال هم يجمعون عشرات الملايين من إمريكا وأوروبا من خلال موقعهم في الشبكة العنكبوتية ومع ذلك لا يقدّمون إلا الفتات في الازمات الإنسانية التي تتعلق بالمسلمين ، وهنا دعوة عاجلة إلى الأطباء والعاملين الصحيين والإجتماعيين المسلمين لإقامة منظمة مستقلة تستغني عن هذه المنظمات الظالمة لنفسها والظالمة لنا معاشر المسلمين . ( النقابة الصحيّة الإسلامية العالمية الخيرية .. مثلاً )
الوقفة الثانية: إن الإعلام شارك في قضية التعتيم على المشكلة الإغاثية فقد غطى جزءاً منها لكنها كانت تغطية ضعيفة كمّاً وكيفاً ؛ ولقد قابلت عدداً من القنوات العربية الكبرى وكنت عندما اتكلم بالتفصيل عن تخاذل العالم العربي والإسلامي في الإغاثة العاجلة في العراق وإيجاد طائرات الإخلاء الطبي وإيجاد الأدوية بسرعة والضغط على أمريكا وتخاذل منظمة الصليب الأحمر .. إلخ وجدت أن هذه القنوات الإعلامية توقفني وتوقف تعليقاتي في أثناء نشراتها الإخبارية أو في لقائاتها المختلفة ، ولقد كان يرى الذين حولي امام فندق فلسطين كيف يتقافز المخرج وهو يصيح لإيقاف المراسل الذي احدثه ؛ وكانت هذه ظاهرة واضحة حتى إن بعض القنوات الشهيرة حاول جميع مراسليها أن يقيموا لقاءً طويلاً معي حول هذا الموضوع لكن محاولاتهم جميعها بائت بالفشل ؛ ولم اتمكن إلا من التطرق إلى مواضيع صحية أخرى بعيدة عن هذه القضية الساخنة . وهذا مرة أخرى يؤكد غياب الإعلام الصادق المتجرد الذي تحكمه شريعة الغاب هو الآخر ويركع عند اشتداد الأزمة أمام مصالح وطلبات أعدائنا .
الوقفة الثالثة: كثير من الذين كنت أكلمهم عن التبرعات إلى العراق يقولون: إن هذه الدولة غنية ولا تحتاج إلى تبرعات ، بل بعضهم قال لي: إن هذه دروشة أن أجمع المال لبلد الرافدين وبلد"اغنى احتياطي بترول في العالم"إلا أنني كنت أرد عليهم قائلاً: إن العراق اشبه ببدوي يقبع في خيمة لا أثاث له فيها ولا عدة ولا عتاد ؛ ويجلس بخيمته فوق أكبر بئر للنفط في العالم ، وكل من يمرون حوله يستجديهم فيردون عليه أنت أغنى رجل في العالم لأنك تملك أكبر بئرٍ للنفط !! فمن يا سادتي الدرويش ؟!
ثالثاً: رسائل إلى التجار
ألمي يشتد كلما سافرت إلى دولٍ إسلامية يحتاجون إلى موارد مالية تحرك ركود اقتصادهم ، وتسخر الطاقات البشرية الوافرة والرخيصة لديهم ؛ وتجار المسلمين يرددون: ( نخاف من التقلبات الإقتصادية ) ..