فهرس الكتاب
دخلتُ على بعض الأفاضل في الظلام الدامس في ليالي بغداد إبّان الحرب ولمّا ترجعُ الكهرباء بعد ، لم يجد مكاناً يدخلني فيه فبيته الصغير ازدحم بأمه واخوته وزوجته وابناءه ! أجلسني على كرسيٍّ أمام الدار وذهب يحضر مصباح الكيروسين ، وفاجأني الضوء ورأى هذا الكريم مشاعر وتعبيرات على وجهي فهمها ، وضع المصباح وجلس علي كرسي صغير أمامي قائلاً: يادكتور تعجب لحالنا .!؟ نحن قومٌ فقراء ولكننا شرفاء !!
هذا كان امامه مايسيل اللعاب أيام النظام البائد لكنه تركه لأنه شريف ! فطوبى للشرفاء ( الغرباء بالطبع ) .
• الشيخ الدكتور علاء المدرسي الأعظمي علامة في المذهب الشيعي ويمتاز بفهم هذا المذهب وروعة الحوار مع أهله ، سمع بي فجائني في الظلام عرف علاقتي بأفاضل مشائخنا ؛ ذهب في الظلام وعاد في الظلام وهو يحمل صندوقاً ممتلئاً كتباً عن المذهب الشيعي وضعه في يديه وبعد دردشة في ليلة نيسانية لطيفه انطلق في الظلام ، لو رأيته الآن لا أعرفه . ما أجمل ظلامٌ اختلط بنور العلماء .
• الإعلاميون كثير منهم لا يتجاوزون مساحة الفردوس أمام فندق فلسيطين وشيراتون ولمّارأيت المئات يموتون بسبب الجروح والحروق ذهبت لبعض الإعلاميين كالمحرش لهم ، ذهب عددٌ منهم ، وبعد ساعة أو أكثر ترك مراسل قناةٍ عربيةٍ ومدير قناة انجليزية ومسئولة القناة السويدية تركوا عملهم والدموع تملىء أعينهم وتحولوا إلى عاملي إغاثة معي طوال ذلك اليوم وهم ينقلون الإغاثة التي قَدِمنا بها من أوروبا ، وتحول بعض زملائي إلى مصورين يصورون الإعلاميين ؛ إنها الفطرة تستيقظ من تحت الرماد .
• لم أقابل عراقياً عشائرياً أو ريفياً أو مدنياً ، عالماً أو عامّياً إلا وهو يهتف بصوت مسموع: سنخوض معاركنا معهم ، وسنمضي جموعاً نردعهم ونعيد المجد لأمتنا !! كلٌ له توقيتٌ خاص به لساعة الصفر .
• الإمريكان العلوج حقاً وصدقاً !! كثير منهم كحمار أهله لايدري فيما يمسك ولا فيم يرسل ، صورت كاميراتي حوارات معهم من نوع شرُُّ البلية مايضحك ، مع ذلك فكثير منهم أرضٌ خصبة للدعوة .
• الدكتور أحمد الدباشي داعية معروف مشهور واستاذ جامعي ، وابن شيخ قبيلة ، كان بطلاً من أبطال الأمن الوطني الشعبي ، نظم ابناءه الطلاب ومريديه في المسجد ليحفظوا الأمن ، ووزعوا الأعطيات القليلة ، تاب على يديه عدد من اللصوص وتحولوا إلى جنودٍ بين يديه منهم السني ومنهم الشيعي ؛ وكان الإمريكان يقدرونه ويصافحونه قائلين: يو قود ( You good man ) وأولئك على بابا !!! ويشيرون إلى أحد الأحياء الطائفيه العريقة في احتراف الفساد والإفساد .
• حي الأعظمية كان أنموذجاً للحي المسلم الإيجابي ، اجتمع الشيوخ والعلماء والدعاة والأطباء ورجال البلد .. إلخ في مجلس بلدي شعبي خططوا ووزعوا المهام ، الشباب يحفظ الأمن في نوبات قتالية على كل دوار وعلى كل مدخل ومخرج حي او شارع ، فرق لنقل المرضى في سيارات حولت إلى أشبه اسعافات ، الأطباء فتحوا عيادات في المسجد ، فرقٌ اهتمت بالأرامل بالأيتام وبمن فقدوا عائلهم ، فرقٌ تحولوا إلى إشارات مرور بشرية كنت اراهم فاطلب من سائقي التوقف لأترجل وأحييهم ، وفرقٌ أخرى أبت إلا أن تؤدب الفجار مستلهمين تاريخ الأعظمية العظيم واسألوا عن بطولات معركة الأعظمية ، ويُراجع كتاب ألفه علاء المدرسي بعنوان ( 40 شاهداً على الحرب في بغداد ) .
سادتي ...
هذه صور ومشاهدات وآلام وآمال أضعها بين أيديكم هامساً في الختام:
إنني أرى في خلواتي الصافية وفي سبحاتي الرائقة ، وأرى مع كل لمّة مَلَك ! أرى أرض الرشيد وأحمد بن حنبل وهي تُخرج لنا ألوية الفتح وكتائب الإيمان ، أراها أطيافاً جميلة وموسيقى عذبة إنه إيقاع العاديات الموريات وصهيل العز يخرج من الخيلِ التي عقد في نواصيها الخير إلى يوم القيامة . ياترى يومها أين نكون نحن ؟ وعندها ماذا سنجيب أمتنا إذا خذلناها وخذلنا إسلامنا ؟
اللهم إني اسألك بكل اسم هو لك وبفضلك ومنّك وكرمك وجودك شهادةً صادقة خالصة ، وأسألك أن تقر عيننا بفتح قدسنا وانتصار ملتنا وارتفاع لواء الحق على أيدينا ... آمين
د. سعود بن حسن مختار الهاشمي
استشاري طب الأسرة والمجتمع
واستاذ كلية الطب بجامعة الملك عبدالعزيز
احصل على نسخة من الموضوع على ملف وورد
1-هو طعام غريب مشهور بالفلافل يمّز ولاية"لويزيانا"وخاصة مدينة أوليانز ، ولم يعجبني عندما ذقته .
2-موسيقى ترجع لأصل افريقي .
3-هذا الأنموذج في الإنفتاح في التعاون العلمي لم تنتفع به الدول الغنية مثل السعودية وباقي دول الخليج ، فعلى سبيل المثال: المشافي والمصانع والمؤسسات تميل إلى التفكير الأمريكي والإداراة الأمريكية وأنماط التقنية الأمريكية ولم نستفد من العقل الياباني _ بإستثناء شركة سابك ربما _ ولا الكوري ولا الألماني .. إلخ بل رسخنا ظاهرة الإعتماد على الخبرات الأمريكية ؛ وبكتيل وأرامكو خير شاهد وانهاء بترومين وسمارك خير دليل ! .