فهرس الكتاب

الصفحة 1778 من 27364

ثالثاً: التوجه إلى تهميش القوى الإسلامية المناهضة للتبعية للغرب وتنحيتها، الذي تطور بعد ذلك إلى محاربة تلك القوى، كما وضح التوجه إلى تدجين بعض المشايخ واستمالة أصحاب النفوذ والتأثير بشد وثاق متين بينهم وبين الغرب وإدخالهم في نطاق التبعية لفرنسا، ومن الحوادث ذات الدلالة على ذلك: محاولة نابليون تقليد شيخ الأزهر ـ باعتباره رئيساً للديوان ـ وشاحاً يحمل ألوان علم فرنسا ورَفْض شيخ الأزهر لذلك... (3) .

ومنذ ذلك الحين يحرصون على ألا يرقى الرئاسة إلا من يضع على صدره وسام الرضى الغربي!.

رابعاً: في مقابل ذلك: ظهر التوجه الواضح إلى إبراز دور النصارى والأقليات الدينية الأخرى وإعلاء قدرهم وإشراكهم في مراكز التأثير واتخاذ القرار بصورة ملحوظة، وأحداث الحملة الفرنسية زاخرة بالدلالة على ذلك (4) .

خامساً: كما أشاعوا الفجور والتحلل الأخلاقي بواسطة نسائهم وبغاياهم، وشجعوا الفسقة وضعاف النفوس من المسلمين على الخوض فيه والتبجح به، وكان واضحاً حرصهم على إخراج المرأة المسلمة من إطارها المعتاد (5) .

سادساً: تدشين عهد النبش في الحضارات القديمة السابقة على الإسلام، وإثارة النعرات الوطنية وروح الفخر بهذا الماضي الوثني، مع عد المسلمين ضمن الغزاة لمصر؛ فمن ذلك قولهم في أحد المنشورات الموجهة إلى الشعب المصري: «...وإن العلوم والصنائع والقراءة والكتابة التي يعرفها الناس في الدنيا أُخذت عن أجداد أهل مصر الأُوَل، ولكون قطر مصر بهذه الصفات طمعت الأمم في تملكه، فملكه أهل بابل وملكه اليونانيون والعرب والترك الآن...» (6) ، وهذا أحد أسباب بذل جهودهم المعروفة في التنقيب عن الآثار الفرعونية وإبرازها والاهتمام بها، ومن ضمن هذه الجهود تأسيس معهد الآثار الفرعونية.

سابعاً: ظهور الحملة الفرنسية بمظهر الدولة الحديثة من تنظيمات إدارية وعسكرية وعمران مدني، بل بمظهر الحرص على الرحمة والعدل بين الناس في بعض الأحيان، تلك المظاهر التي بَعُد عهد المسلمين بها في عهود تخلفهم وانحطاطهم، ففوجئوا بها تأتيهم على يد (الكفار) (7) .

ثامناً: وفي مقابل ذلك: وضح استعراض الحملة لقوتها العسكرية وقدرتها العلمية؛ وذلك من خلال مظاهر البطش والتنكيل وإحراق القرى والبيوت وإذلال المسلمين الذي كان أبرز أحداثه اقتحامهم الأزهر بخيولهم وسكرهم وتغوُّطهم فيه، كما كانوا يتعمدون إظهار الفارق العلمي بينهم وبين المسلمين، وذلك بإجراء بعض التجارب الكيميائية والفيزيائية التي كان المسلمون يومها يحارون في تفسيرها (1) .

تاسعاً: حاول نابليون إيجاد قاعدة دعائية له ولمبادئه العلمانية التغريبية بإرسال (بعثات) إجبارية لبعض الأشخاص؛ ليشكلوا بعد عودتهم تياراً يدعو إلى التغريب ويغير من تقاليد البلاد وعاداتها، كما عمل على غزو المسلمين اجتماعياً باستخدام (الفن) والتمثيل، وقد ذكر ذلك صراحة في رسالة بعث بها بعد رحيله من مصر إلى خليفته كليبر، يقول في ختامها: «ستظهر السفن الحربية الفرنسية بلا ريب هذا الشتاء أمام الإسكندرية أو البرلُّس أو دمياط، يجب أن تبني برجاً في البرلس.

اجتهد في جمع (500) أو (600) شخص من المماليك، حتى متى لاحت السفن الفرنسية تقبض عليهم في القاهرة أو الأرياف وتسفِّرهم إلى فرنسا، وإذا لم تجد عدداً كافياً من المماليك فاستعض عنهم برهائن من العرب أو مشايخ البلدان، فإذا ما وصل هؤلاء إلى فرنسا يُحجزون مدة سنة أو سنتين، يشاهدون في أثنائها عظمة الأمة (الفرنسية) ويعتادون على تقاليدنا ولغتنا، ولمَّا يعودون إلى مصر يكون لنا منهم حزب يضم إليه غيرهم.

كنتَ قد طلبتَ مراراً جوقة تمثيلية، وسأهتم اهتماماً خاصاً بإرسالها لك؛ لأنها ضرورية للجيش، وللبدء في تغيير تقاليد البلاد!» (2) ، ولكن يبدو أن مقتل كليبر على يد سليمان الحلبي وما تلاه من أحداث حال دون تنفيذ هذا المسعى.

هذه هي أهم ملامح الحملة الفرنسية على قلب العالم الإسلامي (مصر والشام) ، وقد ظلت هذه الملامح نفسها هي ملامح الحملات العلمانية (المحلية!) اللاحقة، ونلاحظ في نتائج هذه الملامح أنها ولَّدت الآثار المطلوبة لقيام العوامل المساعدة بدورها التفاعلي، فإذا كان الغزو الفكري المنظم لم يظهر بصورة كاملة، فإن الحملة حققت نجاحاً ملحوظاً في الغزو النفسي والاجتماعي للمسلمين، وهو ما أدى إلى هزيمة نفسية أمام الغرب لدى كثير من المسلمين، ومن ثم استعدادهم للتلقي عن هذا المنتصر (حضارياً) ، فالحملة الفرنسية أطلقت قبل رحيلها رصاصة العلمانية والتغريب التي أصابت عقل الأمة بعد حين من هذا الرحيل، أو بعبارة أخرى: قلَّبت الأرض الهامدة وأثارتها حتى تهيأت لغرس البذور الفكرية الأولى للعلمانية والتغريب، وقد تولى من جاء بعد الحملة مهمة غرس هذه البذور ورعايتها ثم قطف ثمارها.

غرس البذور:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت