فهرس الكتاب

الصفحة 1779 من 27364

لم ترحل الحملة الفرنسية عن مصر مكتفية بتقليب الأرض الاجتماعية الإسلامية الهامدة، بل خلّفت وراءها بذوراً ملقَّحة فكرياً يمكن استنباتها في هذه الأرض، ويعد الشيخ حسن العطار (1190ـ1250هـ/1776ـ 1834م) نموذجاً لهذه الشريحة من المتأثرين فكرياً بالحملة، فقد اندمج إلى حد كبير في علوم الحملة الفرنسية وكثيراً ما تغزل في أشعاره بأصدقائه منهم، كما إنه نقل عنهم علومهم، وفي الوقت نفسه تولى تعليمهم اللغة العربية، وهو الذي أطلق قولته الشهيرة: «إن بلادنا لا بد أن تتغير أحوالها ويتجدد بها من المعارف ما ليس فيها» (3) لذا: يعده العلمانيون المعاصرون «رائداً من رواد النهضة؛ حيث تتلمذ على يديه جيل من الرواد كرفاعة الطهطاوي، ومحمد عياد الطنطاوي» (4) .

غير أن هذه البذور ما كانت لتنبت بغير رعاية لها، وهذا ما كان؛ فبعد خروج الحملة الفرنسية من مصر استطاع الجندي الألباني ـ تاجر الدخان سابقاً ـ محمد علي (1769م ـ 1849م/ 1183هـ ـ 1265هـ) الوثوب إلى رأس السلطة في مصر، وبعد أن اطمأن الحاكم الجديد إلى قوته ضرب العلماء بعضهم ببعض، وتخلص من خصومه المماليك (القوى الرجعية !) في مذبحة شهيرة سنة (1226هـ/1811م) .

وبعد أن قضى على القوى المناوئة له في الداخل والقوى المهددة له في الخارج تفرد بالحكم وتفرغ (للإصلاح) و (التحديث) ، وهما الاسمان اللذان استخدما مطية للعلمنة والتغريب!

ونقف هنا لنلاحظ:

\ أن تفوق أوروبا الحربي والصناعي ورغبة الشرق الإسلامي ـ وخاصة مصر وتركيا ـ في اللحاق بهذه القوة وهذا التقدم.. كان دائماً وراء انفتاح كثير من بلاد المسلمين على الغرب ونظمه، بل وقيمه ومبادئه، وهذا ما دعا الإصلاحيين إلى استقدام الخبراء والمدرسين من أوروبا وابتعاث الطلاب المسلمين إليها، ولكن هؤلاء (المصلحين) لم ينتبهوا ـ أو ربما لم يكترثوا ـ إلى أن من العبث ـ كما يقول المؤرخ البريطاني الشهير أرنولد توينبي ـ: «من العبث القول بأن في وسع مجتمع إقامة جيشه على النمط الغربي، وترك جوانب حياته الأخرى تجري على ما كانت عليه... فإن الأمر لا يقتصر على جيش يقام على النمط الغربي ويدعمه العلم والصناعة والتعليم المقتبس من الغرب؛ ذلك لأن ضباط هذا الجيش أنفسهم يحصلون على أفكار لا تمت بصلة إلى مهاراتهم في فنهم، ولا سيما إذا ما ابتعثوا إلى الخارج ليحذقوا مهنتهم.

ويوضح تاريخ هذه البلاد الثلاثة [مصر وتركيا وروسيا] ظاهرة عجيبة، هي: قيام جماعات من ضباط الجيش بتزعم (ثورات تحريرية) » (1) .

\ أن البذور الأخرى المعاكسة للعلمانية والتغريب بدأت تغرس أيضاً في العالم الإسلامي في هذا الوقت المبكر، وإن لم تتضح هذه الهوية أو يلتفت إليها، فقضاء الدولة العثمانية ـ عن طريق محمد علي، القوة العلمانية الصاعدة ـ على الواقع الذي انبثق من دعوة الشيخ محمد ابن عبد الوهاب لم يقض على الدعوة نفسها؛ فصحيح أن دعوة الشيخ لم تكن من القوة أو الكبر بحيث تحتوي الأمة كلها احتواءً شاملاً، أو توقف انهيار الدولة العثمانية وتعيد الصعود بمدها، أو تواجه القوة العلمانية الصاعدة وتقضي عليها، إلا أنها أيضاً لم تكن من الضعف والصغر بحيث يقضى عليها بدون أن يبقى لها أثر على العالم الإسلامي وحركته الفكرية، بل لعل في القضاء عليها سياسياً في هذا الطور أدى إلى عدم الانتباه إلى انتشار ما تدعو إليه في أنحاء كثير من العالم الإسلامي.

لقد كان الأثر المباشر الواضح لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب هو محاربة البدع والخرافات والأوهام والقضاء على شرك القبور والأضرحة، ولكنها أيضاً أصَّلت وجوب رد الأمر كله إلى الكتاب والسنة وهو ما يناقض فصل الدين عن الحياة الذي هو جوهر العلمانية، إضافة إلى أنها رسخت مفهوم الولاء والبراء على أساس الدين والعقيدة، وهو ما يناقض مفهوم الوطنية والقومية العلمانيين.

نعود إلى بذور العلمانية:

لم يكتف الغارسون باستيراد بذور علمانية أوروبية صرفة، بل دأبوا على تصنيع بذور هجين من العالم الإسلامي نفسه، واستخدموا في هذا التصنيع كافة أساليب الهندسة الفكرية.

فقد شرع محمد علي أيضاً في تنفيذ ما طلبه نابليون من خليفته كليبر ولم يمتد به الأجل لتنفيذه، ولكن محمد علي استطاع تنفيذه بصورة أدق وأخطر مما اقترحه نابليون نفسه، فقد انتقى بعض الشباب المختارين بعناية ثم أرسلهم في بعثات إلى أوروبا وخاصة فرنسا؛ ليكونوا في باريس تحت إشراف أحد أعضاء المعهد العلمي الذي أسسه نابليون في مصر من قبل، ويدعى: جومار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت