فهرس الكتاب
فقد اعتقد الشميل «بأن العلم هو الدين الجديد للإنسانية جمعاء» (4) ؛ حيث اعتبره «أكثر من طريقة لاكتشاف النظام في ترابط الأشياء؛ إذ كان مفتاحاً لحل لغز الكون، لا، بل نوعاً من العبادة» (5) ، ويرى الشميل «أن دين العلم هو إعلان حرب على الديانات القديمة» (6) ، وعليه: فهو يرى أن: «ليس الحكم الديني والحكم الاستبدادي فاسدين فحسب، بل هما غير طبيعيين وغير صحيحين» (7) .
«وكان الكثيرون من الكتاب العرب المسيحيين من معاصري الشميل يبشرون بتلك الأفكار ويستنتجون منها وجوب وجود وحدة قومية تتعدى الفروق الدينية، لكن الشميل نفسه ذهب أبعد من ذلك في استنتاجه؛ فهو لم يحاول الاستعاضة عن التضامن الديني بالتضامن القومي فحسب، بل راح أيضاً يعلن أن لجميع أنواع التضامن الجزئي خطر التضامن الديني؛ لأنها تجزئ المجتمع البشري، فالتعصب القومي الأعمى لا يقل شراً عن التعصب الديني الأعمى، لذلك لا بد أن تَحل ـ عاجلاً أو آجلاً ـ الوطنية العالمية محل الولاء للوطن المحدود» (8) ، ولعل هذا كان سبباً لأن راقته فكرة الاشتراكية حيث الدعوة إلى الأممية العالمية، فكان «أول من نشر بالعربية فكرة الاشتراكية، وإن لم يكن أول من سماها بهذا الاسم» (9) وهكذا انبثق الولاء للعالمية من الرؤية العلمية العلمانية! ولدين الشميل الجديد مستلزمات اجتماعية وسياسية واسعة أيضاً «فالعلوم الطبيعية هي أساس العلوم الإنسانية، ولا تستمد الشرائع إلا من العلوم الإنسانية الصحيحة» (10) .
وعلى رأس العلوم الصحيحة عند الشميل: الداروينية، لذا: كان «أول داعية للأفكار الداروينية والفلسفات المادية في العالم العربي، تحت تأثير فلسفة سبنسر الذي جعل من الداروينية مبدأً فلسفياً لا ينازع» (11) ، و «أضاف الشميل بذلك على غيره من العلمانيين نظرة مادية في الدين، وجعل من الداروينية نموذجاً عاماً لقانون تطوري يشمل نشوء وترقي الإنسان واللغة والشرائع، وقال بالتالي بأن تاريخية المجتمع كتاريخية الطبيعة، وقال أيضاً بنسبية الأخلاق ومفاهيم الخير والشر» (12) .
«ويترتب على نظرية التطور أيضاً أن القوانين السارية في كل مجتمع ليست شرائع أبدية معصومة، بل يجب أن تتطور بالتدرج وفق حاجات الإنسان وقضاياه، وقد تصبح الثورة ضرورية (!) إذا تحجرت تلك الشرائع ومنعت ذلك التطور» (13) .
وهكذا يتضح بجلاء أن العلمانية في صورتها الغائية الصريحة هي منظومة فلسفية كلية، تنبثق منها تصورات شاملة عن الإنسان والكون والحياة، كما تنبثق منها النظم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي تعبر عن هذه التصورات لتحل محل الدين والنظم المنبثقة عنه.
فرح أنطون ( 1874-1922م / 1291-1340هـ ) :
وبمثل هذا الوضوح والسفور كان فرح أنطون، «ففي الوقت الذي حاول فيه من سبقه التوفيق بين الحضارة الغربية والحضارة العربية، والتمسك بإحياء التراث العربي القديم باعتباره الحل المثالي لتقدم مجتمعهم، كان فرح أنطون يدين بالولاء الكامل للحضارة الغربية وأفكارها، وينقل عنها في مجلته (الجامعة) مذاهبها في الإصلاح الاجتماعي، ويناقش الأفكار الاشتراكية والشيوعية في هذا الوقت المبكر حين كان المجتمع غير مستعد بأي صورة من الصور لتقبل مثل هذه الأفكار» (1) ، فكان فرح أنطون «أول من كتب بالعربية عن بوذا وكونفوشيوس، وعرَّف بفلسفة تولستوي وشرائع حامورابي وأفكار روسو وفلسفة أوجست كونت» (2) ، وهو يرى أن لا فرق بين الأديان «فإذا تفحصنا مجموعة المبادئ [الجوهرية] وجدنا أنها واحدة في جميع الأديان... كذلك إذا تفحصنا مجموعة الشرائع لوجدنا أن غايتها الوحيدة إنما هي حث الناس على الفضيلة؛ فالثابت فيها هو إذن المبدأ الخلقي الكامن وراءها، ويجب أن نفسرها تفسيراً يسمح لها بالقيام بوظيفتها، حتى لو اقتضى ذلك تأويلها، وبعبارة أخرى: إن جميع الأديان إنما هي دين واحد يعلِّم بعض المبادئ العامة، أما الشرائع الدينية فلا قيمة لها بحد ذاتها؛ إذ ما هي إلا وسائل لغاية» (3) .
وأنطون يرى من هذا المنطلق أن المفاضلة بين دين ودين «من القضايا المتحدرة من القرون الوسطى، التي لا تتصل لا من قريب ولا من بعيد بمفاهيم العلم الحديث» (4) ، وبنى على ذلك أيضاً موقع الدين في الحياة، فهو يهدي كتابه عن ابن رشد إلى «النبت الجديد في الشرق» ويعني بهم: «أولئك العقلاء في كل ملة وكل دين في الشرق، الذين عرفوا مضار مزج الدنيا بالدين في عصر كهذا العصر، فصاروا يطلبون وضع أديانهم جانباً في مكان مقدس محترم! ليتمكنوا من الاتحاد اتحاداً حقيقياً ومجاراة التمدن الأوروبي الجديد لمزاحمة أهله، وإلا جرفهم جميعاً وجعلهم مسخرين لغيرهم» (5) .