فهرس الكتاب
وفي الشام أيضاً نشط عبد الرحمن الكواكبي في بداية حياته قبل أن يواصل هذا النشاط في مصر، وقد كان «ينتمي إلى مدرسة الأفغاني... التي كانت تفكر في المسائل الطارئة بعقل عصري، فتتدارسها في ضوء العلم والعقل النظري، ثم تنقلها إلى الدين وتربط بينهما برباط قوي متين... لذلك فإن آراء الكواكبي في الإصلاح الديني لا تخرج في جملتها عن آراء الأفغاني والشيخ محمد عبده والشيخ رشيد رضا... » (3) ، ويشير بعض الكتاب إلى احتمال تأثر الكواكبي بكتاب (مستقبل الإسلام) لبلنت، كما يشيرون إلى وجود دلائل قوية لاقتباسه إطار ـ وبعض أفكار ـ كتابه عن الاستبداد من كتاب (رسالة في الاستبداد) للمفكر الإيطالي في عصر الثورة الفرنسية فيكتور ألفياري (4) ، ومن ثم: فقد ربط الكواكبي ـ متابعاً ألفياري ـ بين الاستبداد والدين، زاعماً أن الاستبداد في السياسة متولد من الاستبداد في الدين أو مساير له، وإن نفى الكواكبي ذلك عن الإسلام الحقيقي (5) .
ولم يقف تأثر الكواكبي بالفكر الغربي عند حد الاقتباس، بل سعى إلى حركة توفيقية إصلاحية شاملة في الإسلام؛ إذ «يبدو من كلام الكواكبي [في كتابه أم القرى] على لسان المندوب الإنجليزي أنه يهدف إلى تكوين جماعة من المسلمين تنزع في تفكيرها منزع البروتستانت في تفكيرهم» (6) ، ومن هنا لم يجئ طرحه لمبدأ العلمانية في فصل الدين عن الدولة من زاوية إلحادية كما طرحه شبلي الشميل مثلاً، بل جاء طرحاً مناسباً لـ (عالم ديني كبير) (7) ، فكانت من أقواله ـ مخاطباً العرب غير المسلمين ـ: « .. دعونا يا هؤلاء نحن ندبر شأننا... دعونا ندبر حياتنا الدنيا ونجعل الأديان تحكم في الأخرى فقط! دعونا نجتمع على كلمات سواء، ألا وهي: فلتحيا الأمة، فليحيا الوطن..» (8) .
وفي تونس كانت مدرسة (الصادقية) التي كان خير الدين التونسي أسسها عام 1875م (1292هـ) لتكون منافسة لجامع الزيتونة ولتعليم اللغات التركية والفرنسية والإيطالية والعلوم الحديثة، فضلاً عن اللغة العربية وعلوم الدين الإسلامي.. كانت قد خرَّجت أجيالاً من الطلاب مزودين بتربية عصرية (9) ، وإضافة إلى مجموعة جريدة (الحاضرة) التي تأسست في أغسطس 1881م (1298هـ) واستمرت حتى عام 1906م (1324هـ) متخذة أفكار خير الدين التونسي نبراساً لها، إضافة إلى ما تركته من أثر ثقافي وسياسي في البلاد.. أنشئت عام 1896م (1314هـ) ـ بدعم أو حتى بمبادرة من السلطات الفرنسية ـ (1) « (الخلدونية) ، وهي رابطة توخت إطلاع الذين تربوا تربية تقليدية في المدارس القرآنية وفي جامع الزيتونة على العلوم العصرية» (2) ، يعبر عن ذلك المنهج أحد إصلاحييها هو سالم بوحاجب في كلمة افتتاحها معتبراً «أن العلم نفسه كان سبب استخلاف الله لآدم وبنيه» (3) .
ولكن التوفيقية ارتبطت باسم آخر كان له أكبر الأثر في التنظير لها والمنافحة عنها ثم نشرها في العالم الإسلامي، ألا وهو الشيخ محمد عبده؛ فلقد تزعم محمد عبده اتجاه التوفيق بين الإسلام والغرب وما تبعه من الإصلاح الديني، وهو الاتجاه الذي نادى أصحابه بأن الإسلام هو الأساس الذي يجب أن يقوم عليه الإصلاح، ولكنهم فسروا نصوصه تفسيراً جديدًا يقبل معه كثيراً من أساليب الحياة والتفكير الوافدة من الغرب، وعملوا على تقريب الإسلام من الحضارة الغربية والتفكير الغربي الحديث (4) .
اضطلعت المدرسة التوفيقية ـ وعلى رأسها محمد عبده ـ بمهمة ذات شقين: أولاً: إعادة تحديد ماهية الإسلام الحقيقي من وجهة نظرهم، ثانياً: النظر في مقتضيات هذا الإسلام بالنسبة إلى المجتمع الحديث (5) ، ومن هذا المنطلق نظر محمد عبده إلى التغييرات الاجتماعية التي أحدثها في عهده الخديوي إسماعيل متابعاً جده محمد علي باشا، فلم يأسف لهذه التغييرات وما أحدثته في القوانين والتعليم، بل رأى أن هذا التطور ـ في خطوطه العريضة ـ لا مرد له، وأنه في صالح مصر (6) ، ولكن ـ في الوقت نفسه ـ كان يشغله خطر انقسام المجتمع إلى دائرتين منفصلتين بدون اتصال حقيقي بينهما: دائرة تسودها شرائع الإسلام ومبادئه الخلقية، وهي دائرة آخذة في الانحسار في ذلك الوقت، والدائرة الأخرى في اتساع مضطرد، وهي الدائرة التي قامت على المبادئ المستمدة بالاستنباط العقلي من اعتبارات المصالح الدنيوية (7) ، ومن ثم: عمل عبده ـ وخاصة في آخر أيامه ـ على رتق هذا الانقسام مع عدم إيقاف مجرى هذا التطور الذي بدأه محمد علي، «بل الاعتراف بالحاجة إلى التغيير، وربط هذا التغيير بمبادئ الإسلام، وذلك بإثبات أن هذا التغيير الحاصل ليس مما يجيزه الإسلام فحسب، بل إنما هو من مستلزماته الضرورية إذا فهم على حقيقته» (8) ، وينبغي علينا وضع خط أسفل (حقيقته) .