فهرس الكتاب

الصفحة 1802 من 27364

وعلى خطى الطهطاوي وخير الدين التونسي والأفغاني سار محمد عبده، فكانت رؤوس الموضوعات هي نفسها: الوطنية الإقليمية، والعناية بالتاريخ القديم السابق على الإسلام ـ الدعوة إلى الحرية وإلى الحياة النيابية ـ الدعوة إلى إعادة النظر في وضع المرأة في المجتمع: في الحجاب، والحد من تعدد الزوجات، والحد من حرية الطلاق (9) ... ولكن تلك المفاهيم أخذت بعداً أعمق على يد محمد عبده ومدرسته من بعده؛ فما قدمه رفاعة في ميدان التجديد كان بمثابة البراعم التي تفتحت على يد محمد عبده ومدرسته (10) ، وعلى الخطى نفسها سار محمد عبده في المنهج الذي اختطه (الرواد) «في التوحيد بين بعض المفاهيم التقليدية للفكر الإسلامي وبين الأفكار السائدة في أوروبا الحديثة، وعلى هذا النهج انقلبت (المصلحة) تدريجياً إلى المنفعة، و (الشورى) إلى الديمقراطية البرلمانية، و (الإجماع) إلى الرأي العام، وأصبح الإسلام نفسه مرادفاً للتمدن.. ولا شك أنه كان من السهل ـ باتباع هذا النهج ـ تحوير ـ إن لم نقل إبطال ـ المعنى الدقيق للمفاهيم الإسلامية وتناسي ما يميز الإسلام عن غيره من الأديان، لا، بل عن النظرة الإنسانية اللادينية، وهذا ما تنبه له بقلق نقاده المحافظون..» (1) .

وهكذا ولد الإصلاح الديني من رحم (المدرسة التوفيقية) ؛ فعلى أسس التوفيق بين الإسلام والغرب تحددت معالم (الإصلاح) ، وذلك بتضييق نطاق الثابت (الجوهري) في الإسلام الذي لا يقبل التعديل (الاجتهاد) ، وهو الاعتقادات والعبادات (رغم أنها لم تسلم أيضاً من اجتهاداتهم) ، وتوسيع نطاق المتغير (العرضي) الذي سيتماس مع أوجه الحياة؛ لأنه يشمل (المعاملات) ، أو بتعبير الدكتور عزيز العظمة: تضييق مجال الدين وتوسيع نطاق الدنيا (2) .

ولكن المدرسة الإصلاحية إذا تعاملت مع هذه الدائرة الأخيرة بالنظرة الفقهية القديمة نفسها لا تكون قد حققت الغرض المرجو، لذا: كان لا بد من تحييد التراث الفقهي، ولا يتم ذلك إلا بمحاربة التقليد، ثم الدعوة إلى الاجتهاد في هذه المسائل من جديد.. «لقد كان [الأفغاني] يؤمن بالأصول ويترك لعقله الحرية في الفروع، ويصل في ذلك إلى نتائج غريبة عن أذهان الجامدين المتزمتين، فيرمى بالإلحاد، فكان ينفر من التقليد ويدعو إلى الاجتهاد» (3) ؛ فمن ثوابت دعوة الأفغاني «أن باب الاجتهاد لم يغلق، وأنه لمن حق الناس (!) ـ لا، بل من واجبهم ـ أن يطبقوا مبادئ (!) القرآن مجدداً على قضايا زمانهم، وإذا امتنعوا عن القيام بهذا وقعوا في الجمود والتقليد اللذين لا يقلان عداوة عن الدهرية؛ فمحاكاة أقوال الآخرين وأفعالهم تفسد الدين والعقل معاً» (4) .

وبـ (تحرير) العقيدة من قيد التقليد أهدت حركة الإصلاح طوق النجاة إلى حركة التحرر العلمانية، أو كما يقول المستشرق جب: «.. كان [محمد عبده] يرفض قبول مبدأ السلطة، أو التقليد بلا مناقشة ـ كما يقال في الإسلام ـ، وكان هذا الرأي بمثابة خشبة إنقاذ للنزعة العلمانية الجديدة» (5) .

وبـ (تحرير) الفقه من القيد نفسه (التقليد) وصلت المدرسة الإصلاحية إلى فتح باب الاجتهاد؛ «لكي يتسنى للعالِم أن يؤول التعاليم الإسلامية تأويلاً جديداً يتلاءم مع روح العصر» (6) ، وعلى هذا نستطيع فهم الهدف من دعوة هذه المدرسة إلى الرجوع إلى السلف الصالح ـ في بعض جوانبها ـ على أنه: «النفوذ إلى ما وراء النظم الفقهية المتحجرة ـ كما تبدو في المذاهب الأربعة ـ وفتح باب الاجتهاد، لكي يتمكن العالم من تأويل التعاليم الإسلامية تأويلاً جديداً حراً» (7) .

ثم تمخض عن فتح باب الاجتهاد على يد هذه المدرسة دعوة عريضة إلى إعادة تفسير الشريعة كلها، فبعد أن كانت الدعوة إلى الاجتهاد التي أطلقها (الإصلاحيون) الأوائل كالطهطاوي والتونسي مقتصدة غاية الاقتصاد تدعو إليه في أضيق الحدود... «أصبحت من بعد على يد محمد عبده ومدرسته ـ ولا سيما رشيد رضا ـ دعوة عامة تهاجم التقليد، وتطالب بإعادة النظر في التشريع الإسلامي كله دون قيد، فانفتح الباب على مصراعيه للقادرين ولغير القادرين، ولأصحاب الورع ولأصحاب الأهواء» (8) ، ولم تتضح ضوابط شرعية واضحة أو حدوداً قصوى لهذه الدعوة عند المدرسة الإصلاحية، بل كان الهدف الثابت هو الوصول إلى التوفيق الذي مر إيضاحه، «فما نفتقر إليه اليوم إنما هو إعادة تفسير الشريعة لنتمكن من اقتباس ما كان صالحاً من الأخلاق الأوروبية، كإلغاء الرق مثلاً، ومنح المساواة أمام القانون للمسيحيين القاطنين البلاد الإسلامية» (9) .

ولكن كيف سيكون الاجتهاد خادماً لذلك التوجه؟ سيكون ذلك من خلال قاعدة يقوم عليها وأصول تنبثق منها، أما القاعدة فهي: «أن العقل يجب أن يحكَّم كما يحكَّم الدين، فالدين عرف بالعقل، ولا بد من اجتهاد يعتمد على الدين والعقل معاً حتى نستطيع أن نواجه المسائل الجديدة في المدنية الجديدة، ونقتبس منها ما يفيدنا» (1) ، أما أهم الأصول التي تستخدم في هذا الاجتهاد فنستطيع القول إنها تتمثل في:

1-التوافق مع العقل والعلوم الحديثة، وقد مر بنا سابقاً ما يغني عن تكرار الحديث عن هذا الأصل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت