فهرس الكتاب

الصفحة 1803 من 27364

2 -تضييق نطاق النصوص الشرعية بالتشكيك في حجية أحاديث الآحاد، وتحييد النصوص القرآنية ظنية الدلالة، ثم تأويل ما تبقى من هذه النصوص إذا بدا (للمجتهد من هذه المدرسة) أن ظاهره مخالف للعقل ـ كما يتصوره ـ، أو للعلوم العقلية ـ في تطورها الآني ـ.

فإذا حوصرت الشريعة في هذا (الحيز الكمي) المحدود فإن ما يتبقى منها ـ على زعمهم ـ هو مبادئ واعتبارات وفضائل عامة تشترك فيها ـ مع الإسلام ـ جميع الأديان والمذاهب المنسوبة إلى السماء أو إلى الأرض، وبذا تتلاشى الفواصل بين الإسلام وغيره، وتذوب معالمه في فضائل إنسانية عامة، يقول الدكتور العظمة: «ولا يخبرنا الإصلاحيون: بأي اعتبار كانت هذه الأمور العامة شرعية إسلامية؟ وما الذي يميزها عن الأصول العامة لجل مجتمعات الدنيا وأسسها الأخلاقية والقانونية؟» (2) .

أما إذا تعارض ظاهر نص مع هذا المنحى فإن المدرسة الإصلاحية تلجأ إلى التأويل (التفسير الرمزي) حتى تتفق مع المعطيات الجديدة.

فبالتأويل يصبح النص مرناً وفضفاضاً يمكن تشكيله حسب الحاجة، وتصبح الوقائع المحددة التي وردت في النص مجرد تمثيل لأخذ العبرة والحكمة: «إن النقطة المبدئية التي يؤكدها هذا الموقف [تفسير محمد عبده لعموم طوفان نوح ـ عليه السلام ـ أو عدمه] هي إمكانية الانصراف إلى التأويل ـ بل ضرورته ـ إذا قطع بأن الظاهر (غير مراد) : ينسب بذلك مراد العصر إلى عصر النص، أي: إن تأكيد سلطة النص القطعية يجري بإضفاء معنى اليوم عليها مما لا يناسبها بالطبع، فيصبح اليقين والنص صنوين... » (3) .

وهكذا «أصبح النص القرآني ـ وخصوصاً آياته الدالة على الأمور الكونية ـ لا يفهم إلا على أن بعض مفرداته قائمة على شيفرة، مفتاحها المعارف العلمية الحديثة» (4) .

3 -أما في المسائل الفقهية: فقد عمدت المدرسة الإصلاحية إلى التوسع في استخدام بعض الأصول والقواعد الفقهية التي تلبي حاجتها (التجديدية) ، كنظرية العرف، والمصالح المرسلة، والاستحسان، والمقاصد الشرعية، مع التلفيق بين المذاهب الفقهية وإعادة إبراز الآراء الفقهية الشاذة ـ إن لزم الأمر ـ، للوصول للفتوى التي تطمئن لها عقولهم.

يقول ألبرت حوراني: «فعلى المسلمين اليوم ـ في نظر محمد عبده ـ أن يقوموا بما كان عليهم القيام به دوماً: إعادة تأويل شريعتهم وتكييفها وفقاً لمتطلبات الحياة الحديثة، ولبلوغ هذه الغاية لا بد من الاهتداء بمبدأين سلم بهما الفقهاء وأعطاهما محمد عبده بعداً جديداً: الأول: مبدأ المصلحة... كان هذا المبدأ تقليديّاً بمثابة قاعدة لتأويل النصوص.. فيختار [الفقيه] التأويل الذي يحقق هذه الغاية، أما محمد عبده وأتباعه فقد جعلوا من المصلحة قاعدة لاستنباط شرائع خاصة من المبادئ العامة للخلقية الاجتماعية؛ فالله لم ينزل ـ في رأيهم ـ سوى مبادئ عامة، تاركاً للعقل أمر تطبيقها على قضايا المجتمع الخاصة، وبما أن هذه القضايا تتغير توجَّب تغيير تطبيق المبادئ عليها.. أما المبدأ الثاني: فهو مبدأ التلفيق... فدعا، لا إلى الاستعانة بالمذاهب الأخرى في مسائل معينة فحسب، بل إلى مقارنة علمية بين المذاهب الأربعة أيضاً ـ ناهيك بأحكام الفقهاء المستقلين الذين لم يقبلوا أياً منها ـ بغية وضع (مذهب موحد) يؤلف بين العناصر الصالحة في كل منها، وقد تمكن ـ بوصفه مفتي مصر ـ من وضع هذه الدعوة موضع التنفيذ» (5) ، وكانت المصلحة هي الأصل عند تلميذه رشيد رضا الذي توسع كما ذكر ـ من قبل ـ في المرونة (الاجتهادية) أكثر من شيخه، «فالعمل بموجب الحديث الصحيح عند السيد رشيد رضا أمر واجب إن لم ينافِ المصلحة، وإذا نافى المصلحة فإنه سيعتبر ـ حكماً ـ أنه معارض الأصول العامة المؤيدة بالكتاب والسنة، ولأن لا بد له إذن إلا أن يكون من أحاديث الآحاد التي لا تفيد إلا الظن دون اليقين أو الإلزام، فترفض بذلك الأحاديث لاعتبارات نفعية دون الإلماع إلى نواقصها التاريخية [علم الجرح والتعديل] » (1) .

4 -ومن الملحوظات في أسلوب عرض أصحاب المدرسة الإصلاحية لآرائهم: الجزم واليقين عندما تكون هذه الآراء متسقة مع منهجهم الجامع بين الإسلام والمعطيات العقلية والعلمية الحديثة وعندما يكون إمرارها بين الناس محتملاً، أما عندما يختل نظم هذا المنهج أو يصعب إمرار الرأي الذي خرجت به فإن التشكيك، أو التفويض و (اللاأدرية) ، أو العرض في صورة المحتملات أو الحكاية.. هو الأسلوب المناسب.

وهكذا عمدت المدرسة الإصلاحية إلى إيجاد منظومة من الآراء الجديدة (الفكرية والفقهية) تشمل مجالات الحياة المختلفة، تتسق مع مفاهيمهم العقلية ومعطيات الحياة الغربية، لتشغل الفراغ الكبير في الساحة الفكرية الموجود آنذاك (2) ، محاولة رتق الشِّق البادي في توجهات المجتمع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت