فهرس الكتاب
لم يكن مستغرباً أن يتفق الإسلام مع العقل، ولم تكمن خطورة المدرسة الإصلاحية في انفتاحها على الفكر الغربي ونهلها من نتاجه، إنما تمثل مكمن الخطورة في المدرسة الإصلاحية في عدة أمور، منها:
أولاً: أن تفسير الدين ونصوصه بالعقل المحض الذي وصل إلى حد أن يكون ذلك قاعدة الاستدلال الأساس، والذي انبنى عليه تأويل النصوص بحسب معطيات العلم التجريبي الغربي المعاصر.. كان ذلك بمثابة محاولة لإخضاع علم الله وقدرته المطلقين وغير المحدودين لإدراك العقل الإنساني وتصوراته ومعارفه وتجاربه التي تتسم بالقصور والمحدودية والنسبية، ليس بالنسبة لعلم الله وقدرته فقط، بل بالنسبة للعقل الإنساني نفسه الذي تختلف قدراته من شخص إلى آخر، وتختلف تجاربه ومكتسباته العلمية من عصر إلى آخر، كما أنه ليس في الوجود البشري عقل مطلق ومجرد نستطيع القياس عليه واتخاذه حَكَماً يرجع إليه البشر في تصوراتهم وأفكارهم ومناهجهم وأخلاقهم.
فهم بهذا التوسع يعملون على تفسير المطلق وغير المحدود بالنسبي والمحدود، وفي ذلك ما فيه من مخالفة العقل نفسه، إضافة إلى خطورته على توحيد الله والإيمان به.
ثانياً: أن محاولة إخضاع الغيبيات والخوارق المذكورة في الكتاب والسنة للتفسير المادي أو التجريبي... فيه نوع من اختزال الإيمان بالغيب لحساب عالم الشهادة؛ فإنه عندما يؤمن المسلم بتفسير غيبية أو خارقة بناءً على مشاهداته المحسوسة أو المتصورة التي قد تتكرر أو تفتعل بإرادة المخلوقين أو سيطرتهم.. فإنه لا يؤمن حينئذ بغيب، بل يؤمن بمشاهد أو مشهود، وهكذا: كلما فسرنا غيبية بهذا التفسير نقلناها من عالم الغيب إلى عالم الشهادة، وفي النهاية يتقلص الإيمان بالغيب ويتمدد الإيمان بالشهادة، وهذه نقلة نحو المادية وابتعاد عن الدين الذي تقوم قاعدته الكبرى على الإيمان بالغيب: {ذّلٌكّ پًكٌتّابٍ لا رّيًبّ فٌيهٌ هٍدْى لٌَلًمٍتَّقٌينّ > پَّذٌينّ يٍؤًمٌنٍونّ بٌالًغّيًبٌ $ّيٍقٌيمٍونّ پصَّلاةّ $ّمٌمَّا رّزّقًنّاهٍمً يٍنفٌقٍونّ} [البقرة: 2، 3] .
ثالثاً: إذا كان القرآن، وكذلك السنة، لم يأتيا إلا بمبادئ وحدود عامة في التشريع ـ بحسب اجتهادت المدرسة الإصلاحية ـ، وإذا فسرت الغيبيات والمعجزات التي ذكراها تفسيراً مادياً يمكن أن يحدث لأي أحد، وإذا كان ما ورد فيها من ذكر للأحداث والأسماء التاريخية ليس لذكر حقائق تاريخية بل فقط للاعتبار والتذكر، وإذا كان الأمر نفسه بالنسبة لـ (إشارات القرآن) في الفلك والاقتصاد.. وإذا أهدرت أحاديث الآحاد ـ ومعظم السنة أحاديث آحاد ـ ثم أوِّل ما تبقى منها أو حيد عنها بدعوى تحقيق المصلحة وموافقة المقاصد ...فضلاً عن إهدار التراث الفكري الذي خرج من هذين المصدرين، وإذا كانت (الشريعة) يمكن التلاعب بها إلى الحد الذي رأينا في فتاوى هذه المدرسة... فماذا يتبقى من الإسلام إذن؟
إن المدرسة الإصلاحية ـ باتباعها ذلك المنهج ـ تكون قد قامت بعملية الإخلاء اللازمة لاحتلال الفكر الغربي قواعد الفكر الإسلامي.
رابعاً: كان من أثر روح الهزيمة النفسية التي سادت المدرسة الإصلاحية والتداعيات التي تمخضت عنها، والتفاعلات المستمرة مع أصحاب اتجاه العلمانية الصريحة ... أن الإصلاحية لم تستطع الصمود أمام الهجوم العلماني والإلحادي المادي؛ فلقد «كانت قوة التحدي الأوروبي ـ الحضاري والسياسي ـ أعظم من أن تصمد لها توفيقية محمد عبده ومعادلته التي حاولت بعد أزمان من التنافر والعداء الجمع بين الإسلام والغرب في صيغة تصالحية واحدة ... » (1) ، فكانت النتيجة تقهقر هذه المدرسة وتراجعها عن مواقعها شيئاً فشيئاً أمام اتجاه العلمانية الصريحة، متوسعة في منهجها التوفيقي الاعتذاري وتطبيقاته على أوجه الحياة.
خامساً: نتج عن هذا التقهقر وذلك الإخلاء للمواقع أنَّ العلمانيين وجدوا في أدبيات المدرسة التوفيقية الإصلاحية أدوات ومسوغات يغزون بها المجتمعات الإسلامية على نطاق واسع، كما أن شهيتهم ازدادت شراهة لعرض أفكارهم، وفي الوقت نفسه: أصبح منهج المدرسة الإصلاحية وسيطاً مناسباً لحمل هذه الأفكار الغربية، أو كما يقول ألبرت حوراني عن رائد هذه المدرسة (محمد عبده) : «لقد نوى إقامة جدار ضد العلمانية، فإذا به في الحقيقة يبني جسراً تعبر العلمانية عليه، لتحتل المواقع واحداً بعد الآخر، وليس من المصادفة ـ كما سنرى ـ أن يستخدم معتقداته فريق من أتباعه في سبيل إقامة العلمانية الكاملة» (2) ، ويقول شيخ الإسلام بالدولة العثمانية مصطفى صبري: «فلعله وصديقه ـ أو شيخه ـ جمال الدين أرادا أن يلعبا في الإسلام دور لوثر وكلفين زعيمي البروتستانت في المسيحية، فلم يتسن لهما الأمر لتأسيس دين حديث للمسلمين، وإنما اقتصر تأثير سعيهما على مساعدة الإلحاد المقنَّع بالنهوض والتجديد...» (3) .