فهرس الكتاب
سادساً: ومثلما ساهمت المدرسة الإصلاحية على إسقاط الحاجز الفكري بين الإسلام والغرب بتقريب الفكر الغربي إلى المجتمعات الإسلامية ساعدت على إسقاط الحاجز النفسي لدى النخبة المثقفة لقبول العلمانية والتغريب، فـ «عند أولئك الذين تعلموا في المدارس الحديثة كانت جاذبية وجهة نظر الإمام محمد عبده للإسلام تكمن في أنها حررتهم لقبول أفكار الغرب الحديثة بلا أدنى إحساس بالتخلي عن ماضيهم...» (1) .
سابعاً: تطورت معادلة التوفيقية الإصلاحية على يد تلاميذ محمد عبده من القول: «إن المدنية الحقيقية تتوافق مع الإسلام» إلى القول: «إن الإسلام الحقيقي يتوافق مع ما تأتي به المدنية» (2) ، أو بمعنى آخر: من شرح الحضارة (العمران) والأفكار الغربية بما يوافق الإسلام (الحقيقي) ، إلى تطويع الإسلام وإعادة تفسيره لحمله على موافقة الحضارة (العمران) والعقل الغربي، والحقيقة أن هذا التطور في تلك المعادلة كان قد بدأ على يد محمد عبده نفسه، ولكن تلامذته خاضوا فيه بصورة أوضح.
كما انهارت الموازنة بين قيم الإسلام وتصوراته وبين أفكار الغرب وعلومه، وهي الموازنة التي كان يحرص عليها ـ إجمالاً ـ محمد عبده، وافترقت خطى مدرسته من بعده، فمال رشيد رضا بفكره إلى سلفية أكثر، بينما اتجه سعد زغلول وأحمد لطفي السيد وقاسم أمين وعلي عبد الرازق... وغيرهم، إلى شبه قبول مطلق للفكر الغربي، مطالبين بعلمانية متشبهة بالغرب وبفصل الدين عن الدولة (3) .
وعليه: نستطيع القول: إن المدرسة الإصلاحية ـ بعد توظيف الغرب لها خدمة لأهدافه ـ عادت من حيث بدأت: إسلاماً يواجه الفكر الغربي، وتغريباً وعلمانية يحاصران الإسلام ويعملان على إقصائه من واقع الحياة.
ثامناً: رسخت المدرسة الإصلاحية استمرار النهج التلفيقي المخادع الذي بدأه الطهطاوي والتونسي، القائم على تلبيس الحق بالباطل وتخليط الصواب بالخطأ، والذي كان مقتضاه تقديم التغريب والعلمانية على طبق من الدين، وهذا الأسلوب في تقديم العلمانية والتغريب باسم الإسلام في هذه المرحلة المبكرة هو ما تمناه المستشرق القسيس المنصر (زويمر) عندما قال هو وزملاؤه: «تبشير المسلمين يجب أن يكون بواسطة رسول من أنفسهم ومن بين صفوفهم؛ لأن الشجرة يجب أن يقطعها أحد أعضائها» (4) ، وقريب منه ما ذكره (الشيخ) محمد عبده ـ في رسالة مريبة منه بخط يده إلى أستاذه جمال الدين الأفغاني عام 1300 هـ (1883م) بعد مناظرة الأخير الشهيرة مع رينان ـ: «نحن الآن على سنتك القويمة: لا تقطع رأس الدين إلا بسيف الدين، ولهذا لو رأيتنا لرأيت زهاداً عباداً ركعاً سجداً..» (5) ، وهذا ما عبر عنه أحد المفكرين المعاصرين بأن العلمانية دخلت إلى العالم الإسلامي لابسة عمامة، وهو الأسلوب نفسه الذي يحاول اتباعه الآن (الإصلاحيون) في إيران وبعض (التنويريين) في بقاع أخرى من العالم الإسلامي، وعكسه ما يحاوله بعض الإسلاميين في تركيا (إعادة الإسلام لابساً قبعة) .
ويمكن القول ـ إذا لم نتحلَّ بدرجة كبيرة من إحسان الظن بهم ـ: إن (الإصلاحيين) في ذلك الوقت لم يكن في وسعهم إلا اتباع ذلك الأسلوب المخادع حتى لا يصطدموا مع عامة الأمة وعلمائها (المتعصبين) .
(u) هذه المقالات مقتطفات مختصرة من كتاب يعده الأخ الكاتب عن تاريخ العلمانية والتغريب في العالم الإسلامي، وقد آثر ـ جزاه الله خيراً ـ مجلة البيان بنشر هذه المقالات قبل نشره للكتاب. ـ ^ ـ
(2) الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر، ج 2، ص 215، وانظر: وجهة الإسلام، ص 40.
(1) السابق، ج 2، ص 214، وانظر: وجهة الإسلام، ص 69، وما بعدها.
(2) وبالفعل يكاد ألا يخلو قطر عربي ممن تربى فيها وتخرج منها ثم تسنم في بلاده مناصب سياسية أو اجتماعية أو ثقافية وتربوية أو إعلامية رفيعة، مما مكنهم من التأثير في تلك البلاد، حتى إن هذه الكلية ( وهي مدرسة من المرحلة الابتدائية حتى الثانوية ) التي أصبح لها فروع عديدة تفخر بذلك وبأنها يطلق عليها اسم: (مدرسة المشاهير) .
(3) الإسلام والحضارة الغربية، ص 45 - 46. (4) د. سامي عزيز، مصدر سابق، ص 300.
(6) د. سامي عزيز، المصدر السابق.
(3) د. سامي عزيز، مصدر سابق، ص302.
(4) تاريخ الأستاذ الإمام محمد عبده، لمحمد رشيد رضا، ج 2، ص 537.
(5) السابق، ج 2، ص 536.
(6) مقال خطأ العقلاء، بجريدة (الوقائع المصرية) سنة (1298هـ / 1881م) ، نقلاً عن: تاريخ الأستاذ الإمام..، ج 2، ص 120 ـ 121.
(1) الصحافة المصرية وموقفها من الاحتلال الإنجليزي، ص 224.
(3) د. سامي عزيز، مصدر سابق، ص 225 ـ 226.