(البعض يسمي هذا الموقف"الإلحاد السلبي"، أو اللاأدرية المعرفية مع الإلحاد العملي)
ثالثا:
مع ذلك سأمر على الأدلة المعتادة لتوضيح نقاط ضعفها:
المعجزات والكوارث الطبيعية والظواهر الخارجة عن المألوف:
هذا هو الدليل الأكثر رواجا في المعتقدات الشعبية لتبرير فكرة النبوة (القرآن معجزة محمد) ، أو تجسد الآلهة (المسيحية، الهندوسية) .
وهي أهم دليل على الإهتمام المفترض الذي توليه الآلهة بالجنس البشري، والتخاطب معه والتدخل في مجرى حياته والتعامل مع سلوكه بالرضى أو الغضب.
ولكن يكفيني عدم اعتراف المعتقدين بدين بمعجزات الأديان الأخرى، لكي نرى التأثير"المحلي جدا"لهذه المعجزات.
فهي وليدة ثقافتها، والأغلبية الساحقة لهذه المعجزات قد حصلت في عصور سحيقة، بذلك يصعب التأكد من حصولها، بينما الإيمان بها لدى أبنائها لا يتأثر بضعف الأدلة.
كل من يزعم بوجود معجزة عليه أن يشير إلى أدلة استثنائية على أن التفسير الإعجازي هو الوحيد الممكن.
دون ذلك فالمعجزة تبقى في"عين المؤمن"، والطريقة الأمثل لدراستها هي علوم الاجتماع والنفس (انتشار الإشاعات، خداع الحواس..الخ) ، وليس العلوم الطبيعية، ناهيك عن صحة النتائج الدينية التي تستتبع ذلك.
العلة الأولى:
"نظرا لأن لكل شيء سبب، فلا بد لهذه الأسباب أن تلتقي في سبب أول، هو الله".
نقطة الضعف الأساسية هي أن افتراض وجود"سبب أول"ينقض الفرضية الأولى، وهي أن"لكل شيء سبب".
بعد ذلك تبدأ دوامة طويلة، لتبرير الرغبة في استثناء الله من هذه السببية.
فيصبح البرهان دائريا.
أي عوضا عن الانطلاق من فرضية عامة، إلى استنتاج خاص.
يتم تفصيل البرهان ليناسب النتيجة التي يريد المؤمن التوصل إليها.
ناهيك عن أن قاعدة"لكل شيء سبب"إنما استنتجناها من ملاحظاتنا للظواهر ضمن الكون.
وهذا يدخلنا في مشكلة الاستقراء، حيث قد نكتشف ظاهرة جديدة ليس لها مسبب، فتسقط القاعدة وجميع استنتاجاتها.
ناهيك عن أن تعميم صفات الأجزاء على الكل، هو مغالطة لا مبرر لها.
أي حتى إن كانت جميع الأشياء ضمن الكون لها سبب، فهذا لا يسمح بالاستنتاج بأن للكون سبب أيضا.
ولكن حتى في حال الموافقة جدلا على العلة الأولى (رغم عدم خبرتنا بأي"علة أولى"حولنا) ، فلا يوجد أي مبرر لافتراض أن"الله"هو تلك العلة الأولى.
فالعلة الأولى كما يتم استنتاجها لا تظهر صفات أخرى تزيد عما يحتاجه ذلك البرهان، فهي ليست بالضرورة واعية، عالمة أو مطلقة القدرة..الخ
فقد يكون الكون، أو ظاهرة طبيعية أخرى، هو تلك العلة الأولى.
في بداية القرن العشرين أظهرت التجارب الفيزيائية والنظريات الحديثة لتفسيرها (النسبية، الكم) ، تناقضات جوهرية مع المفاهيم المعتادة، طالت مفهوم السببية، ومفاهيم الزمان والمكان.
بذلك أصبحت مقولة"لكل شيء سبب"، هي مجرد تعبير عن عادة فكرية من الحياة اليومية، ولكن لا يمكن تطبيقها بهذه البساطة على جميع الظواهر في الكون.
بمعنى آخر فالسببية هي مجرد ربط فكري لظواهر نعتاد على رؤيتها ضمن تتابع زمني، دون أن يعبر ذلك بالضرورة عن علاقة سببية حقيقة في عالم الواقع خارج تفكيرنا.
الغائية:
أو حجة التصميم.. الانتظام في حركة كواكب المجموعة الشمسية، مناسبة الأرض للحياة البشرية، تناسب أعضاء الجسم الإنساني ليعيش حياته.
ألا يظهر ذلك قصدا وإرادة لتتلائم هذه الأمور بهذا الشكل؟
وما هو البديل؟
مشكلة الغائية هو أنها دليل قائم على التشابه. يرى المؤمن الانتظام في الكون، فيقارنه بالانتظام الذي تحققه الأدوات التي اخترعها الانسان لتناسب حاجته، فيقوم بتصميمها حرفي حاذق، يضع مخططا وتصورا في تفكيره، قبل أن ينفذه مستخدما مهارته اليدوية.
فيستنتج من ذلك أن إلها قام بعمل مشابه، فربط الأجزاء بشكل منتظم ليحقق غايته.
ولكن وجود التشابه لا يسمح بافتراض أن سبب الشبه واحد، وهو العقل والإرادة..
فنحن لا نعرف صاحب غاية غير الإنسان، ولا يمكننا تعريف العقل والإرادة بمعزل عنه.
وبذلك فالمقارنة تطرح بين المصنوعات البشرية محدودة العدد، وبين بقية موجودات الكون التي لا نعرف لها غاية. أي أن التعميم هو من مجموعة صغيرة جدا إلى مجموعة أكبر، لا تشبه الأولى كثيرا.
الفيزياء النيوتنية، بقوانينها البسيطة، وتشبيه الكون بالساعة، زادت من محبي هذا الدليل على وجود إله صمم الكون ورفده بقوانين، ثم تركه لينفذ مخططه الكوني.
وذلك على حساب إله المعجزات وتدخله المزاجي في مجريات الحياة البشرية.
ولكن ليس من الضرورة أن يكون سبب الانتظام غاية أو إرادة.
ومن الأصعب تبرير أن الغاية هي تلك التي يزعمها دين معين (خلق البشر لعبادة إلههم، ومعاقبة من يخالف ذلك) .
في الفيزياء المعاصرة نرى أن النظام تقابله الفوضى والصدفة، وهي من صفات الكون التي نلاحظها أيضا.
ناهيك عن الصعوبة في تعريف مفهوم"النظام"إذا كان"كل شيء منتظم".
فالفوضى المطلقة بالمعنى الرياضي، تحتوي على انتظامات عديدة كحالات خاصة ضمن تلك الفوضى.