فهرس الكتاب

الصفحة 18103 من 27364

والانتظام الذي يظهر في مطابقة الظواهر الطبيعية مع المعادلات الرياضية، ليس إلا نتيجة عملية التبسيط والاختزال الضرورية أثناء البحث العلمي في طرح الفرضيات وفحصها.

بذلك يبدو دليل الغائية مجرد حالة من"الإسقاط النفسي"، ومن بقايا"روحانية الطبيعة"التي ترى في كل الجمادات روحا، يمكن للإنسان مخاطبتها والتعامل معها باستجداء رضاها وتجنب غضبها.

رابعا:

تبريرات إضافية للموقف الإلحادي:

دليل تناقض الأديان:

إذا كانت الغاية الإلهية هي"هداية"البشر إلى دين الإسلام، فقد فشلت في ذلك بشكل غريب.

فالإسلام نفسه انقسم إلى فرق مختلفة لا تتفق بينها على الكثير، وتصعب علي رؤية الغاية الإلهية وراء ذلك.

ومن سكان الأرض ليس أكثر من سدسهم على دين الإسلام (ولو على الهوية) .

والسبب الرئيسي في ازدياد عدد المؤمنين بالإسلام إنما هو نسب الولادة المرتفعة في المناطق الجغرافية التي تم إخضاعها لحكم إسلامي خلال القرون الإسلامية الأولى.

بينما تغيير الناس لدينهم (إلى الإسلام أو إلى غيره) ، عملية لا علاقة لها بالاقناع أو الإقتناع في معظم الحالات.

بذلك تبدو الطريقة السائدة لتنفيذ المخطط الإلهي لنشر الدين، عبر كثرة الأولاد، أو عبر حروب وفتوحات حصلت في الماضي البعيد ثم توقفت وتراجعت، فكرة غريبة جدا.

إن كان يريد هدايتهم ومكافأة أكبر عدد منهم لعبادتهم له، خصوصا عن اقتناع عميق، فلماذا يعتمد على هذه الطريقة الغريبة؟

هناك طرق أبسط من ذلك بكثير.. خصوصا اليوم في عصر العولمة.

كأن يستخدم التلفزيون، فيحجز جميع الأقنية، كل يوم، في ساعة محددة، ويخاطب البشر بما يحتاجونه (مثلا يتلو لهم القرآن) .. دون أن يكون هناك تفسير طبيعي لما يحدث.

الطريقة الحالية تنتج مليارات من البشر الذين لا خيار لهم إلا الذهاب إلى الجحيم لنقص الأدلة المقنعة (رغم"إقامة الحجة عليهم حسب المفهوم الشرعي") ، فهي لا تتناسب مع الآليات النفسية للبشر عند اعتناق الأديان أو تغييرها..

دليل التطور المعرفي:

في النصوص المقدسة (التوراة، القرآن) كان الله يتدخل بشكل كثيف في حياة البشر وفي الظواهر التي يرونها حولهم.

مع التطورات في المعرفة العلمية، نرى أن الله يبتعد شيئا فشيئا عن كونه المسبب المباشر لما يحصل في حياة البشر والطبيعة من حولهم. وتحل محله تفسيرات"ميكانيكية".

المطر لم يعد يهطل بسبب تدخل إلهي مباشر، وإنما هناك"دورة الماء في الطبيعة".

الزلازل لم تعد تعبيرا عن الغضب الإلهي، وإنما هناك الطبقات التكتونية وتحركاتها.

لم يتم خلق الكون في ستة أيام، بل هو عملية تستمر منذ 13 مليار سنة حتى اليوم.

وحتى خلق الإنسان لا يبدو نتيجة لصناعته من طين ونفخ للروح، وإنما عملية تطور بطيئة تعتمد على آليات طبيعية"ميكانيكية".

الذي يبقى هو ما يسمى بـ"إله الفجوات".

أي أن الفجوات في المعرفة الإنسانية يتم رتقها باستخدام فكرة الإله.

وكلما تم سد بعض هذه الفجوات بطريقة علمية"ميكانيكية"، كلما انسحب الإله إلى فجوات أخرى ليفسرها حتى إشعار آخر.

تناقض فكرة الإله:

من ناحية معرفية، يكفيني رفض الإعتقاد بإله لضعف الأدلة.

فمن الضروري الحذر في جميع عمليات الاستنتاج والاستنباط المجردة، وتدقيق نتائج التفكير النظري بالتجربة العملية.

وفي حال حصول تناقض بين ما يظهر في التجربة العملية، والتفكير الاستنباطي النظري، فمن الواضح أن علينا تعديل النظرية أولا.

عالم الميتافيزيقيا، هو تفكير نظري محض، ودحضه بالتجربة ممكن حيث يتقاطع العالم الغيبي مع عالمنا (إله الفجوات) .

ولكن فكرة الإله لدى أتباعه تبقى زئبقية، فتهرب من التحقق كلما حاولنا الاقتراب منها (إلى الفجوة التالية) .

ولكن من الممكن النظر إليها في عالمها الخاص، والتحقق من كونها تحقق على الأقل عدم التناقض الضروري لعالم الأفكار النظرية.

في هذه الحالة نرى قصصا مثل"الله والصخرة"، أو التناقض بين علم الله الأزلي وبين الحرية الإنسانية في الاختيار (كأساس للمحاسبة فيما بعد) .

أو حتى التناقض بين علم الله وحريته (راجع المقالات) ..

ومن ذلك كثير، بحيث أن الجواب الوحيد المتبقي لدى المؤمن هو"لا ندري"،"ليس من الممكن أن نفهم"،"ما ينطبق علينا لا ينطبق على الله"..

فما فائدة إضافة هذه الفكرة النظرية البعيدة عن التحقق الواقعي، إن كنا لا نفهمها ولا نجيد التعامل معها.

في هذه الحالة يصبح"الله"مصطلحا يستخدم ككناية عن الجهل وعدم المعرفة.

المعضلة الأخلاقية:

كثيرا ما يستعين المؤمنون بإلههم وتعاليمه كمصدر للسلوك الأخلاقي السليم.

ولكن إحدى مشاكل الإيمان بإله كمصدر للأخلاق هو أنها تواجه صعوبات كبيرة في معرفة الرغبة الحقيقية لذلك الإله، عبر معرفة الدين الصحيح، ثم معرفة التفسير الصحيح مع تناقض التفسيرات والتأويلات.

ولكن الأهم من ذلك هو تناقض فكرة الأخلاق مع الإله كمصدر لها.

فهل الخير خير لأنه"خير بذاته"أم لأن لأن الله أمر به فأصبح خيرا.

وإن كان الخير هو ما يطلبه الله، فهذه مشكلة كبيرة. فلا يوجد مقياس أخلاقي على الإطلاق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت