فهرس الكتاب
ولما كانت الدعوة الشيوعية ترى أن نهاية العالم الحتمية إلى الشيوعية وتدعو لذلك بل تنتهج الثورة والعنف الدموي سبيلاً إلى نشر الشيوعية فإنه سرعان ما تأجج العالم من أقصاه إلى أقصاه بالثورات التي أججتها هذه العقيدة وابتدأت التحولات القسرية لشعوب بأجمعها نحو الإلحاد كما حدث في الجمهوريات الإسلامية في روسيا وكذلك في الصين وغيرها وما زال المد الإلحادي الذي تؤججه العقيدة الماركسية يمتد عبر بلدان العالم جميعها. وها هي البلدان العربية التي كانت معقلاً للإسلام تغزوها العقيدة الماركسية الإلحادية في عقر دارها.
4-اقتران الإلحادية بالقوة المادية:
السبب الرابع الذي شجع الناس على الكفر بالله والانطلاق نحو الإلحاد الكامل هو اقتران القوة المادية بالإلحاد، وذلك أن الناس رأوا أن أوربا لم تتقدم وتمتك القوى المادية وتكتشف أسرار الحياة إلا بعد أن تركت أفكار الكنيسة وعقائدها. وأن دولة كروسيا لم تصبح دولة عظمى إلا بعد أن أعلنت أنها دولة إلحادية، ورأوا مع ذلك أن الدول التي ما زالت تتمسك بالدين دولاً متخلفة في القوة والصناعات فظن الناس لذلك أن الإلحاد سبب للقوة والعلم، وأن الدين يعني التخلف والجهل، ولما كان للعلم المادي آثاره الظاهرة والباهرة من تيسير حياة الإنسان على ظهر الأرض ونشر الرفاهية والرخاء فإن الناس انصرفوا عن العقائد الدينية وآمنوا بالعلم المادي كإله جديد قادر على أن يذلل لهم كل الصعاب على هذه الأرض، بل أطمعهم هذا الإله المادي أيضاً في الوصول إلى الكواكب الأخرى وتسخيرها في خدمة الإنسان وهكذا ساعد اقتران العلم المادي والكشوف الجديدة بالإلحاد على ظن الناس أن العلم ثمرة ونتيجة للإلحاد، وكان هذا خطأ عظيماً عمت بسببه موجة الإلحاد.
5-هزيمة العالم الإسلامي أمام الهجمة الأوربية:
ما كاد الأوربيون يمتلكون القوة المادية، ويستخدمون الآلة، ويبنون المصانع حتى اتجهوا إلى دول العالم بحثاً وراء الأسواق لمنتجاتهم الصناعية، وجلباً للمواد الخام اللازمة للصناعة. ولما كانت هذه الدول تطمع في الحصول على ما تريد بأبخس الأثمان أو بلا ثمن أصلاً فإنها استخدمت قوتها العسكرية النامية للحصول على ما تريد. ولما كان العالم الإسلامي في غاية التخلف والفقر والضعف العسكري والسياسي، فإنه لم يصمد طويلاً أمام الهجمة الأوربية الاستعمارية، وكان للهزيمة العسكرية التي مني بها المسلمون أمام الغزو الأوربي أثرها البعيد في زلزلة العقائد الإسلامية، وانحسارها أمام المد الإلحادي الذي حمله المستعمرون الأوربيون، وطفقت الشعوب الإسلامية، تقلد المستعمر الأوربي وتتشبه بأخلاقه وعاداته، وتدخل في عقيدته الإلحادية ظناً منها أن الأوربيين لم يصلوا إلى القوة إلا برفضهم للدين، وكانت هذه خطيئة جديدة وسبباً آخر أسهم في الظاهرة الإلحادية العالمية.
6-الحياة الجديدة ومباهج الحضارة:
فتح العلم المادي للناس أبواباً عظيمة من أبواب الرفاهية والترف ومغريات الحياة، فالمراكب الفخمة من سيارات وطائرات، وقطارات، ووسائل الاتصال ووسائل الراحة والتسلية، والمطاعم والمشارب الفاخرة، والألبسة الأنيقة، والتفنن العجيب في التلذذ بالحياة، والجري وراء الشهوات والمغريات كل هذا فتح على الناس ألواناً لم يعهدوها من الاستمتاع بالحياة، والانغماس في الشهوات والملذات.
ولما كان الدين بوجه عام ينهى عن الإسراف ويأمر بالقصد والاعتدال، ويحرم الاستمتاع بالحرام كالخمر والزنا والتعري فإن الناس الذين يجهلون سر أمر الدين بذلك ظنوا أن هذه قيوداً على حريتهم، وحجراً لملذاتهم وشهواتهم فازدادوا لذلك بعداً عن الدين، وكراهية لمن يذكرهم بالآخرة ومن يحذرهم من نار أو يطمعهم في جنة. وبذلك أيضاً ازدادت غربة العقائد الدينية وانتشرت عقائد الإلحاد والزندقة.
7-دوامة الحياة: