فهرس الكتاب

الصفحة 18165 من 27364

كان لانطلاق الناس الصارخ نحو العب من الحياة والاستمتاع بكل ما أفرزته الحضارة الغربية من ملهيات ومغريات، واقتناء كل مستطاع من وسائلها الحديثة أثره البالغ في انشغال الناس عن كل شيء حتى عن أنفسهم، فضاعف الناس ساعات عملهم طمعاً في المزيد من الأجور ولتحصيل المزيد من وسائل الراحة كالغسالات والثلاجات والسيارات، ونحوها، وفي سبيل ذلك أيضاً انطلقت المرأة من المنزل لتشارك الرجل أعباء الحياة وتكاليفها الجديدة، وللحصول على مزيد من الرفاهية والراحة، وابتدأ السعار المجنون والرغبة الجامحة نحو اقتناء مغريات الحياة فتطلب ذلك زيادة في الجد والنشاط وانشغالاً بالليل والنهار، وهكذا بدأت دوامة الحياة تطحن الإنسان المعاصر وتشغله في ليله ونهاره ولا تترك له فرصة للتفكير في نفسه أو في مصيره فهو يعمل في متجره أو مصنعه ويعود لملهياته وشهواته ثم يعود إلى عمله وهكذا دون أن تترك له الحياة المعاصرة وقتاً للفراغ يستطيع فيه أن يفكر في حقائق الدين، وأن يجيب عن الأسئلة الخالدة التي تتردد داخل كل نفس: من خلق هذا الكون؟ ومن خلقنا؟ ولماذا خلقنا؟ وإلى أين نسير؟ وهل لهذا العالم نهاية؟ وهل له من بداية؟ ولماذا يعيش الناس متفاوتين فهذا غني وهذا فقير، وهذا ظالم، وذاك مظلوم، وهذا قاتل، وذاك مقتول؟ وفيم كل هذا؟ بل بقيت هذه الأسئلة حائرة في أكثر النفوس وبلا جواب وذلك أن الإنسان المعاصر المستهلك الذي تطحنه دوامة الحياة لا يجد وقتاً للتفكير في كل هذه الأسئلة.

هذه هي الأسباب البارزة لوجود ظاهرة الإلحاد وانتشارها على هذا النحو الذريع والآن كيف أثرت هذه الظاهرة في حياتنا المعاصرة وما آثارها على التحديد؟

ثالثاً: آثار الإلحاد في حياة الإنسان

ترك الإلحاد المعاصر آثاره الواضحة في سلوك الإنسان وفي أخلاق الأمم ونظام الاجتماع، ونستطيع أن نجمل هذه الآثار فيما يلي:

1-القلق والصراع النفسي:

إن أول الآثار التي يخلفها الإلحاد في نفوس الأفراد هو القلق والحيرة والاضطراب والصراع النفسي. وذلك أن داخل كل إنسان منا فطرة تلح عليه، وأسئلة تتلجلج في صدره: لماذا خلقنا؟ ومن خلقنا؟ وإلى أين نسير؟ وإذا كانت زحمة الحياة، وشغلها الشاغل يصرف الإنسان أحياناً عن الإمعان في جواب هذه الأسئلة، والبحث عن سر الحياة والكون فإن الإنسان يصطدم كثيراً بمواقف وهزات تحمله حملاً على التفكير في هذا السؤال، فالأمراض والكوارث، وفقد بعض الأهل والأحبة، والمصائب التي تصيب الإنسان ولا بد تفرض على الإنسان أن يفكر في مصيره ومستقبله، ولما كان الإلحاد عقيدة جهلانية لأنه يقوم على افتراض عدم وجود إله - فإنه لا يقدم شيئاً يخرج هذا الإنسان من الحيرة والقلق والالتباس ويبقى لغز الحياة محيراً للإنسان ويبقى رؤية الظلم والمصاعب التي يلاقيها البشر في حياتهم كابوساً يخيم على النفس ويظل الإلحاد عاجزاً عن فهم غاية الحياة والكون، ولا يقدم للإنسان إلا مجموعة من الظنون والافتراضات لا تقنع عقلاً ولا تشفي غليلاً. ومع إلحاح نداء الفطرة الداخلي وتردد تلك الأسئلة الخالدة في النفس يظل الإنسان قلقاً معذباً.

وقد كان للإنسان قديماً فسحة من الوقت ليخلو بنفسه ويطالع السماء بنجومها، والبحر بروعته وسحره، والجبال بشموخها والصحراء بسعتها وامتدادها وروعتها. والزهر والنبات وبهجته، وكان ذلك يفيده كثيراً في الاستدلال على الرب والاعتراف بالصانع العظيم والخالق الكريم. ولكن الإنسان المعاصر أصبحت تحاصره المدينة بعمارتها الشامخة وطرقها الحديثة وأضوائها وضوضائها وملهيات الحياة ومغرياتها فتشل فكره عن التفكير في الخالق والاستدلال على الله. فيزيد هذا في حيرته وارتباكه.

وقد كان المجتمع القديم أيضاً مجتمعاً ساذجاً فطرياً يعرف الناس فيه بعضهم بعضاً ويتعاونون في الملمات ويفزع بعضهم البعض في المصائب. ولكن المجتمع الحديث مجتمع المدينة الصاخب باعد الناس بعضهم عن بعض وأصبح لكل فرد منهم همومه ومشكلاته، وأصبح الإنسان المعاصر لا يجد من يشكو إليه قلقه ومشكلاته ولا يتصور أن يجد من يمد له يد العون لو زلت قدمه وأصابته مشكلة أو فاقة وبذلك تعاظم الخوف من المستقبل والحذر من الأيام، واهتم الناس بأنفسهم وأصبحوا حريصين ماديين يجمعون ويدخرون ولا ينفقون. ومع الخوف من المستقبل والحذر من الأيام زاد القلق والاضطراب والتوجس والتوجع. ولو كان ثمة إيماناً بالله وتصديقاً بالغيب ومعرفة بالقضاء والقدر لحلت هذه المعضلة ولكن الإلحاد الذي يفترض ويزعم أن الإنسان يقوم وحده في هذا الكون وأنه لا يوجد إله يقيمه ويرزقه كرس قلق الإنسان وخوفه من المستقبل واتجاهه للأنانية والفردية.

2-الأنانية والفردية:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت