فهرس الكتاب

الصفحة 18178 من 27364

وجاء الإسلام بعد ذلك بالبر والإحسان والرحمة بالوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وكل محتاج، وجعل للجار حقوقاً على جاره، وللصديق حقاً على صديقه وكذا للصاحب والزميل، بل لكل مسلم على مسلم حقوقاً كرد السلام، وإجابة الدعوة وتشميت العاطس وعيادة المريض، واتباع الجنائز، ونهى عن ظلم المسلم واحتقاره، وخذلانه، وهجرانه فوق ثلاث والبيع على بيعه، والخطبة على خطبته، والتجسس عليه وحسده، وبغضه، وغيبته، وسبه وجعل هذا من الفسوق والإثم الذي يعاقب فاعله بأشد العقوبات. وهكذا أصبح الإسلام رسالة إنسانية كاملة يأمر أتباعه بزرع الخير أنى وجدوا، وفي أي مكان يكونون فيه، ومع كل إنسان ولو كان كافراً إلا أن يكون محارباً خارجاً بالسيف على المسلمين، وأما إن كان مسالماً مستأمناً أو معاهداً فقد أمرنا الله بالإحسان إليه وبره مع كفره أو فسقه وخروجه عن الإيمان.

وبهذه الروح الطيبة التي يخلقها الإسلام في نفوس أتباعه ويغرسها فيهم ينشأ المسلم الطيب القلب العلي الهمة نقي السريرة، فإذا توجه المسلم في كل ذلك نحو ربه مراقباً لله عاملاً لمرضاته، مربداً وجهه كان أبعد الناس عن الإلحاد والكفر والزندقة، أقرب الناس إلى ربه وخالقه ومولاه لأن أعماله وأقواله جميعاً ستكون عبادة خالصة، وسيكون قلبه دائماً وأبداً متصلاً بربه ذاكراً له شاكراً لأنعمه كما قال تعالى: {قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين} .

وهذا الإنسان الذي يتربى على الإسلام على هذا النحو لا يوجد في الأرض أطهر منه ولا أنظف ولا أطيب فهو خير ما يدب عليها كما قال تعالى: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية} .

ومثل هذا الإنسان الذي يراقب ربه عند كل نظره، وخاطرة، وفي كل عمل، ويتوجه بكليته في جميع أموره نحو ربه وخالقه لا شك أنه سيكون بعد ذلك لبنة صالحة في بناء صالح وبهذا تنشأ المجتمعات النظيفة التي تتخلص من الأثرة وحب النفس، والتنافس البغيض والإغراق في الشهوات والملذات والأنانية والفردية.

وهكذا نجد أن هدفي الرسالة الإسلامية هما:

إخلاص الدين وتوحيده وعبادته وكذلك العمل لخير الإنسانية الطيبة الطاهرة التي هي بحق البديل الصالح للنفسية الإلحادية الخبيثة المدمرة التي تعيش القلق والأنانية والإجرام على ظهر هذه الأرض.

3-التصدي لشبهات الملاحدة:

الكفر كلمة تملأ الفم فقط وتجري على اللسان دون أن يكون لها نصيب من الواقع فإنكار الله سبحانه وتعالى وإنكار البعث والجنة والنار وإنكار الرسالات كل ذلك ليس إلا كلاماً وقذفاً يملأ أفواه قائليه ويجري على ألسنتهم دون أن يكون له من الواقع نصيب، ولا يملك أهل هذا الكلام الباطل لإثباته إلا الجهل والجهل ليس دليلاً.. فهم يقولون لم نر ولم نسمع ولا نعقل أن يكون للكون إله مدبر، وأن يكون قد خلق الخلق لحكمة وغاية، وأن يكون هناك بعث بعد الموت، وأن تكون جنة ونار، والحق أنهم يكابرون ولا يريدون أن يصدقوا لعلل أخرى ولا يدخل فيها أنهم لم يعرفوا الحق ولم يروا الدليل، بل لظنهم أن الحق يحول بينهم وبين ما يشتهون، أو أنه يحرمهم من بعض ما يحبون ويفرض عليهم كثيراً مما يكرهون وهذه العلة هي علة السابقين في الكفر ومن سار على دربهم إلى يوم الدين كما قال تعالى: {إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى} فالكافر لا يملك يقيناً في نفي وجود الله ووحدانيته، وفي نفي رسالاته ولا يملك إلا الظن وإلا فمن يملك دليلاً واحداً على أن محمداً وحاشا صلى الله عليه وسلم كاذب، وأنه عاش طيلة عمره يأمر الناس بالباطل ويوهمهم أن هناك جنة وليس الأمر كذلك، ويوهمهم أن هناك ناراً وليس هذا بصحيح وأنه جاهد وعانى وتحمل ما تحمل في سبيل قضية باطلة لا يؤمن بها.

الحق أن من كذب به قديماً وحديثاً لا يملك كما أسلفنا إلا الظن والظن ليس دليلاً ولا يتبع إلا ما تهواه نفسه وبئس الهوى أن يكون قائداً ومرشداً وإلهاً..

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت