فهرس الكتاب

الصفحة 18179 من 27364

ولكن مع هذا لا يكفي الحق أن يكون حقاً ليعتنقه الناس ويذعنوا له، بل لا بد للحق من حجة تدافع عنه وسلطان يقوم به، وإن فإن الباطل مهما كان زيفه وخزعبلاته فإنه ينتصر بالقوة أحياناً وزخرفة القول أحياناً أخرى ولا يكون ذلك بالطبع إلا في غيبة الحق، أو بجهل أهل الحق بطرق الجدال والإقناع ودحض الباطل والرد على شبهات الملحدين، تماماً كما تكون صاحب قضية عادلة أحياناً كأن يكون لك بيت ورثته كابراً عن كابر ثم يأتي آخر دخيل لا حق له بتاتاً فيدعي ملكه لهذا البيت فإذا كان أقوى منك لساناً، وأعظم حيلة ومكراً فإنه يقلب حقك إلى باطل وباطله إلى حق يغري بباطله من يملك بصراً وفؤاد فإن الناس تحكم دائماً حسب ما تسمع وهذا ما يحدث دائماً في عرض قضية الإسلام والتوحيد في مقابل قضايا الشرك والإلحاد كثيراً ما نجد وخاصة في أيامنا هذه أهل الباطل ألحن بحجتهم وأكثر زخرفة لباطلهم بل وأكثر نشاطاً وحماساً ورغبة في نشره من أهل الحق لحقهم، وهكذا وجد الإلحاد طريقه إلى النفوس والعقول، فالباطل لا يقنع العقل، ولا يملأ الروح ولكن هالة الكلمات التي يتزخرف بها، وروعة الإخراج التي يخطر بها يجعل الناس يرتمون في أحضانه ويتهافتون عليه.. هذا والإلحاد إلى ذلك يهتك أستار المحرمات كلها فلا يبقى حراماً إلا ما لا تستطيع أن تصل إليه، وإذا كان التوحيد يعد أهله بجنة بعد الموت فإن أهل الإلحاد ودعاته يعدون من يتبعونهم في باطلهم بجنة على الأرض والنفوس الضعيفة تؤثر دائماً العاجل على الآجل. هذا إلى فشل دعاة الإسلام كثيراً في بيان أن ما يحققه الإسلام على الأرض من سلام واستقرار وسعادة هي الجنة الحقيقية المستطاعة على هذه الأرض، وأن ما يدعو إليه الإلحاد من جنة الشهوات والأهواء ما هو إلا الجحيم العاجل قبل الجحيم الآجل. ولكن كما قلنا آنفاً انحسرت عقيدة التوحيد أمام ظلام الإلحاد لأن دعاة الحق لم يكونوا على مستوى الأحداث فيقابلون كل شبهة للإلحاد بدليل من أدلة الحق..

ليس الدليل في كل وقت كلاماً:

ولا أعني بتاتاً أن يكون دليل الحق دائماً كلاماً بل الدليل قد يكون كلاماً فعلاً فالإسلام والتوحيد نظام عملي وعبادي واعتقادي وإثبات الحق في الإسلام لا يكون بمجرد الكلام فمن قال مثلاً أن الإسلام يعني التخلف ويحارب العلم المادي كان الرد الطبيعي أن يمتلك المسلمون القوة وأن يتعلموا هذا العلم المادي، وبذلك تبطل الشبهة، ومن قال أن الإسلام لا يصلح لحياة الناس كان الرد الصحيح هو إقامة الإسلام العلمي الواقعي. وهكذا يصبح الحق حقاً والباطل باطلاً.

باختصار يستحيل أن نعالج ظاهرة الإلحاد المعاصرة إلا إذا أقمنا دليلاً للرد على كل شبهة وجعلنا العالم الواقعي هو الميدان لجهادنا وإثبات حقنا وأما إذا أصبحت الكتب فقط والأوراق هي الميدان الذي نحارب من خلاله فإننا ولا شك نخسر المعركة.

وهكذا يكون الرد على شبهات الإلحاد كلاماً في مقابل الكلام وعملاً في مقابل الأعمال، فإذا أفرز الإلحاد انحرافاً ونجاسة وانحلالاً فيجب على التوحيد أن يخلق طهراً وعفافاً واستقامة. وإذا كان الإلحاد يعني الظلم فإن التوحيد يعني العدل ولن نفهم العدل إلا إذا كان واقعاً كما أننا لا نحس بالظلم إلا إذا كان واقعاً. وإذا كان الإسلام كما نعتقد وهو كذلك هو الفلاح الحقيقي في الدنيا ولا أقول صالحاً لحياة الناس فقط هذا الإسلام يجب أن يكون واقعاً مطبقاً وليس قضية كلامية نصرخ بها هنا وهناك.

.. وهكذا إذا استطاع المسلمون أن يملكوا لكل شبهة جواباً وأن يكون الجواب كما يرى الناس لا كما يسمعون فقط استطعنا حقاً أن نقضي على ظاهرة الإلحاد..

(إنتهى)

نقلا من كتاب (الإلحاد وطرق علاج هذه الظاهرة)

للشيخ: عبدالرحمن عبدالخالق

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت