فهرس الكتاب

الصفحة 18230 من 27364

وانظروا إلى قوله سبحانه: {وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} [الأعراف: 7/56] ، {وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ} ما قال لا تفسدوا في الأرض. وإنما قال: {وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ} لتَعُمَّ الكلمة أنواع الفساد أجمع. {وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها} ، أي إصلاح يعنيه بيان الله؟ أصلحتُ حياتكم بالشرع الذي أنزلته عليكم وشرفتكم به، هذا هو الإصلاح الذي يعنيه بيان الله، ووضعتكم أمام المنهج الأمثل من أجل أن تحققوا سعادتكم العاجلة وسعادتكم في العقبى فلا تستبدلوا بهذا النهج الذي أحببته لكم لأُسْعدكم به مناهج أخرى وأنظمة أخرى وأنظمة أخرى، تشقيكم بدلاً من أن تسعدكم، تفرقكم بدلاً من أن تجمعكم، تبعث فيما بينكم عوامل الفساد والظلم والطغيان والبغي أشكالاً وألواناً. {وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها وَادْعُوهُ خَوْفاً وَطَمَعاً إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ} [الأعراف: 7/56] ولكن {مِنَ الْمُحْسِنِينَ} والمحسنون هم الذين التزموا بأوامر الله وشرعه.

المجتمعات كما بينّا تفيض بالفساد أشكالاً وألواناً، كلما استشرى الفساد أشكالاً وألواناً في المجتمع فلتعلموا أن ذلك دليل وميزان على أن الدين قد تقلص في ذلك المجتمع، وكلما رأيتم أن الفساد اختفى، وأن الصلاح قد حلّ محله، وأن الرحمة قد انتشرت فيما بين الناس، وأنهم أخذوا يتعاونون بالبر بدلاً من أن يتنافسوا في العدوان ويتسابقوا إلى الأثرة بدلاً من الإيثار فلتعلموا أن الدين له هيمنة وفاعلية في ذلك المجتمع؛ حقيقة لا شذوذ فيها قط بشكل من الأشكال.

والسر في هذا الأمر أيها الإخوة، السر في حاجة الإنسان إلى الدين، السر في أن الإنسان لا يصلحه ولا يجعله قادراً على أن يكون عضواً مصلحاً في مجتمعه إلا إن تحلى بدين الله عز وجل واستشعر مراقبة الله له، السر في ذلك هو: أن الإنسان كان ولا يزال أخطر حيوان يستشري البغي بين جوانحه في جنبات الأرض؛ إن استعرضتم واقع الوحوش في الأدغال، إن استعرضتم واقع السباع في الغابات فلتعلموا هذه الحقيقة؛ أضرى وحش من الوحوش في جنبات الأرض هو الإنسان. ذلك لأن الحيوانات كلها ألجمها الله بلجام الغريزة الحتمية التي لا تستطيع أن تتجاوزها يمنة ولا يسرة، قانونها هذه الغريزة، دينها هذه الغريزة لا تستطيع أن تتجاوزها. هذه الحيوانات هذه السباع إن استشرت وإن افترست فضمن قانون من هذه الغزيزة تستشري وتفترس، ومن ثم فإذا انتهت حاجتها إلى الطعام والشراب غاب الشعور بالحاجة إلى الافتراس منها وأخلدت إلى الراحة والابتعاد عن ذلك، حياتها خاضعة لغريزة، قانونها هذه الغريزة.

أما الإنسان فقد متعه الله سبحانه وتعالى بدلاً من هذه الغريزة بالحرية، سما به عن هذه الغريزة ولم يقيده بها، هو ليس حيواناً لأنه عاقل، وضع بين جوانحه بدلاً عن هذه الغريزة الحرية؛ حرية الإرادة والقدرة على اتخاذ القرار. وأنزل عليه بدلاً من الغريزة المُجْبِرة هذا القانون، هذا التشريع، خاطبه به وأَمَره أن يستوعبه بعقله وقال له: بوسعك أن تُطَبِّق وألاَّ تطبق، فإن طَبَّقْت حققتَ لمجتمعك السعادة في العقبى وفي العاجلة، وإلا عَرَّضْتَ نفسك ومجتمعك للفساد. فالمجتمع الإنساني الذي أعرض عن هذه الشرعة التي جعلها الله للإنسان مكان الغريزة في حياة الحيوان إلامَ يؤول حال هذا الإنسان؟ الغريزة التي قيّد الله بها حياة الحيوان غير موجودة لدى الإنسان، والشرعة التي شرّفه الله بها وأمره أن يضبط نفسه بها اختياراً أعرض عنها.

إلامَ سيؤول حاله؟ سيؤول حاله إلى وحش ضَارٍ، لا الغريزة تُحَجِّمه ولا الشريعة والقوانين تضبطه، ومن ثمَّ لابد أن ينطلق في جنبات الأرض يمنة ويسرة لا توقفه الحاجة ولا الضرورة إنما هي طبيعة الظلم وطبيعة التعدي وطبيعة العدوان. مهما شبع يزداد طغياناً، ومهما وجد نفسه سعيداً آمناً مطمئناً يستشري حب الأثرة في نفسه وحب اقتناص الحقوق من الآخرين أكثر من قبل في حياته. هذه حقيقة أيها الإخوة وإن كنتم في شك منها فدونكم ما تسمعونه من أخبار العالم صباح ومساء. اِنتقِلِوا من خبر إلى خبر إلى خبر مما يحدث كل يوم في أقطار العالم من شرقه إلى غربه، ماذا تسمعون؟ إنْ هي إلا أخبار القتل، السلب، النهب، العدوان، الذبح، الإفساد، الهلاك، الطغيان، الظلم، هل تسمعون غير هذا؟ لماذا؟ ذلك لأن الإنسان وحش لا يُصْلِحه إلا لجام من الدين فإن غاب هذا اللجام، الدين الحق، إن غاب هذا اللجام عن حياته انطلق أضرى وحش في العالم كله {ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النّاسِ} [الروم: 30/41] هذا كلام الله سبحانه وتعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت