إنها تدل على أن الإنسان لن يكون أميناً في تعامله مع الآخرين ولن يكون وفياً معهم ولا صادقاً في عمله معهم إلا إن كان مستشعراً رقابة الله سبحانه وتعالى له. ولا يتأتى هذا الشعور إلا بعد الإيمان بالله سبحانه وتعالى وتغذية هذا الإيمان بغذائه المعروف من الالتزام بالأوامر والابتعاد عن النواهي. هذه هي الحقيقة التي ينطق بها واقع الناس الذي ذكرته لكم. وهذه الحقيقة كم وكم أكَّدَها وبيَّنها كتاب الله سبحانه وتعالى. كرر وأكَّدَ أن الله سبحانه وتعالى لم يُكْرِم عباده بهذا الدين وبما يحتوي من تعليمات وشرائع إلا لتحقيق مصالحهم ولدرء المفاسد عن حياتهم، ولذلك قالوا عن الدين: إنه شَرْع لذوي العقول السليمة، لتحقيق ما فيه صلاحهم في معاشهم - أي الدنيوي - ومعادهم - أي الأخروي - وهذا ما أكده بيان الله. انظروا إلى قوله عز وجل: {قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ، يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ} [المائدة: 5/15-16] . وانظروا إلى قوله وهو يؤكد هذه الحقيقة: {يا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ} [الأنفال: 8/24] الحياة الحضارية الإنسانية الكاملة { وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} [الأنفال: 8/24] وانظروا إلى الكلام المتمم بعد ذلك: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهِ شَدِيدُ الْعِقابِ} [الأنفال: 8/25] . ما علاقة هذه الآية التهديدية الثانية بالأولى؟ العلاقة واضحة ومهمة جداً: أي المجتمع الذي لا يضبط نفسه بشرائع الله التي جاءت لصالحه فإن هذا المجتمع لابدَّ أن يقع في براثن الشقاء؛ فيُظْلَم الضعفاء ويستشري الأقوياء طغياناً وظلماً، في حين أن الذين أعرضوا عن شرائع الله في هذا المجتمع قلة ربما، هم القادة والحاكمون. لكن إعراض القادة عن شرائع الله عز وجل نشرت الفساد والشقاء في المجتمع كله. والسبب إعراض الثلة اليسيرة عن تنفيذ شرائع الله.
هذا معنى قوله سبحانه: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خاصَّةً} [الأنفال: 8/25] . الشريعة إنما أُرسِلت لبني البشر لصلاحهم جميعاً. الشريعة الإلهية توزع رحمات الله بين الجميع، بين الضعفاء ترفعهم إلى مستوى الإنسانية الباسقة، والطغاة تخفضهم إلى مستوى هذه الإنسانية ذاتها. وتُوصِل الناس بعضهم ببعض بجسور الوداد والتعاون طبق القاعدة الربانية القائلة: {وَتَعاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوانِ} [المائدة: 5/2] .
هذا هو الواقع الذي ذكرته لكم يُعَبِّر عن هذه الحقيقة التي أكدها وبيّنها لنا رب العالمين. ثم إن هذا الواقع يلفت النظر إلى العكس والنقيض؛ ما يستشري الفساد في مجتمع من المجتمعات متمثلاً في سرقات، متمثلاً في اغتصاب، متمثلاً في رشاوي، متمثلاً في ظلم، متمثلاً في خيانة الوطن والأمة. ما يستشري هذا الفساد بهذه الأنواع كلها في مجتمع من المجتمعات إلا لأن هذا المجتمع أعرض عن هذا الدين الحق الذي شرّف الله سبحانه وتعالى به عباده. اِنطلَقَوا وتحرَّروا من ربقة الإيمان بالله عز وجل، ثم من ربقة الالتزام بأوامره، ومن ثم من ربقة الشعور برقابة الله سبحانه وتعالى للأفراد، واستبدلوا بدين الله عز وجل مظاهر وقوانين هي أشبه بالديكورات الشكلية منها بالعوامل التي تحمي الأمة من الفساد والشقاء.
فلما أعرضوا هذا الإعراض عن مولاهم وخالقهم وفَرَغَت أفئدتهم من الشعور بمراقبة الله سبحانه وتعالى لهم ومن ثمَّ فرغت أفئدتهم من مشاعر تعظيم الله والخوف من الوقوف غداً بين يدي الله سبحانه وتعالى ظهر الفساد في البر والبحر كما قال الله عز وجل: {ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الروم: 30/41] والفساد هنا: الفساد الأخلاقي، والفساد السلوكي، والفساد المتمثل في السرقات والنهب والسلب والخيانة للأمة والوطن، وفي فساد البيئة كما تعلمون أيضاً أيها الإخوة، كل ذلك فساد ينبعث من الإعراض عن مراقبة الله سبحانه وتعالى {ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النّاسِ} . وإنما يعني البيان الإلهي بهذه الجملة تلاعب الناس بدين الله وإعراضهم عن شرعه والاستبدال به شرائع أخرى وقوانين أخرى.