فان كان كونها وهو معدوم اُوجد ، فمحال ان يكون المعدوم اوجد نفسه وهو معدوم ، وان كونها وهو موجود ، فمحال ان يكون الموجود اوجد نفسه وهو موجود ! اذ وجود نفسه قد اغناه عن ان يكوّن بها نفسه ثانية .
فاذا بطل هذا ، ثبت ان الذى كوّنه غيره ، وانه قديم ليس بمحدث ، اذ لو كان محدثا كان حكمه حكم المحدثِ
وان كانت الاحوال (6) قديمة ، فذلك يستحيل ، لانا نراها تحدث شيئا بعد شىء في حيز واحد في نفس واحدة .
ولو كانت كلها مع اختلافها في انفسها واوقاتها قديمة ، لكانت الترابية نطفة مضغة ثم علقة عظما لحما انسانا في حالة واحدة ! اذا القديم هو الذى لم يكوّن ، ولم يزل وجوده ، واذا لم يزل وجود هذه الاحوال ، كان على ما قلت من كونه ترابا ، مضغة ، لحما ، عظاما ، انسانا في حالة واحدة ، اذا الاحوال لم تسبق بعضها بعضا ، ولانها قديمة ، ولان كل واحد منها في باب القدم سواء .
واذا استحال وجود هذه الاحوال معا في حين واحد ، في حالة واحدة ، وثبت ان التراب سابق للنطفة والنطفة سابقة للحال ، التى معها ان صح الحدوث ، وانتفى عنها العدم ، واذا صح الحدث فقد قلنا: بدءً ان المحدث متعلق في العقل بمحدثه .
قال الملحد: انكرت ان تكون الاحوال محدثة ، وان المحيز التى هى الجسم قديمة ؟!
قال القاسم: انكرت ذلك ، من حيث لم اره منفكا من هذه الاحوال البتة ، ولا جاز ان تنفك ، فلما لم اره منفكا من هذه الاحوال ولا جاز ان تنفك ، كان حكم العين كحكم الاحوال في الحدث .
قالا لملحد: ولم ؟
70 و / قال القاسم: من قبل ان المحيز اذا كانت قديمة وكانت الاحوال محدثة ، فهى لم تزل تحدث فيها الاحوال ، واذا قلت: لم تزل تحدث فيها ناقضت (7) ! لان قولك: لم تزل . خلاف قولك: تحدث .
والكلام اذا اجتمع فيه اثبات شىء ونفيه في حال واحد ، استحال ، وذلك انها اذا لم تزل تحدث فيها ، فقد اثبتها قديما لم يزل يحدث فيها ، واذا كان هذا هكذا ، فهى لم تسبق الحدث ، فقد صار الحدث قديما لان صفته الجسم الذى هو قديم .
واذا كانت صفته ، استحال ان يكون صفته القديم ، الذى لا يخلو منها ، ولا يزول عنها محدثا ، وهذا محال بين الاحالة ، لان فيه تثبيت المحدث فديما ، والقديم محدثا !!
قال الملحد: فما انكرت ان تكون الاشياء هى التى فعلت الاحوال ؟!!
قال القاسم: بمثل ما انكرت زيادتك الاولى ، لانه لا فرق بين ان تكون هى الفاعلة ، وهى لم تسبق فعله ، او تكون قديمة لم تسبق صفاتها .
لان الفاعل سابق لفعله ، متقدم له ، فكذلك القديم الذى لم يزل سابق للذى لم يكن ، لان في اثبات الفعل له اثبات بحدث فعبه ، وهذا لم يسبق فعله ! فقد جمعت بينهما في حالة واحدة وهذا محال بيّن الاحالة .
قال الملحد: فانى لم ار كونه شىء الا من شىء ، فما انكرت ان تكون الاشياء لم تزل يتكون بعضها من بعض ؟! وما انكرت ان يكون الشىء الذى هو الاصل قديما ؟!
قال القاسم: انكرت اشد الانكار ، وذلك ان الشىء الذى هو الاصل ، لا يخلو من ان يكون فيه من الاحوال والهيئات والصفات مثلها في فرعه ، او ليس كذلك .
فان كان فيه مثلها في فرعه ، فحكمهُ في الحدوث كحكمهِ ، وقد تقدم الكلام في هذا المعنى ما فيه الكفاية .
على ان نجد الصور والالوان والهيئات والصفات بعد ان لا نجدها ، ووجود الشىء بعد عدمه هو ادل الدلالة على محدثه .
فحدثنى عن الصورة (8) من اصل حدثت ؟!
فان قلت: انها قديمة . احلت ، وذلك انها لا تخلو من امور
احدها: ان الصورة لو كانت قديمة ، لكانت في التصور الذى ظهرت الصورة فيه ا وفى عنصره الذى يسمونه هيولا (9)
فان كانت في هذا التصور ، الذى ظهرت به الصورة فيه ، فان فيها وقدلكم قواكم ، انه قد يوجد على خلاف هذه الصورة .
وان كانت في الذى تسمونه هيولا ، فلابد في هذا المصور ، ان تكون قد انتقلت عنه الى هذا .
فان قلت: انتقلت . احلت ، لان الاعراض لا يجوز عليها الانتقال ، فظهرت عند اللبث .
وفيه خلة اخرى ، وهى انها لو كانت في الاصل ، ثم انتقلت عنه الى فرعها ، فقد جعلت لانتقالها غاية ونهاية ، فقد صح حدث الذى انتقلت عنه هذه الاحوال.
فان قلت: لم تزل تنتقل !
كان الكلام عليك ، في هذا اللغو ، كالكلام الذى قدمناه انفا ، في باب لم تزل تحدث .
وفيه معنى اخر ، وهو انك اذا جعلت الاشياء في وهمك شيئين ، اذا افردت كل واحد من صاحبه ، نقص ، وانتهى الى حد ما ، وقل. واذا جمعت كل واحد منهما الى صاحبه زاد ، وانتهى الى حد ما .
افليس اذا (انتهى في حال) وزاد فكثر ، او نقص فقل ، فالنقص والزيادة يحدثان بالنهاية عنه ، واذا ثبت فيه النهاية ، ثبت فيه الحدوث !!
فقال الملحد: وما انكرت ان تكون صورة التمرة والشجرة ، كامنة في النواة ، فلما وجدت ماشاكلها ظهرت ؟!
قال القاسم: ان هذا يوجب التجادل ، وذلك انا لو تتبعنا في اجزاء النواة ، لم نجد فيها ما زعمت .
70ظ/ وشىء اخر وهو انه لو جاز هذا لجاز ان تكون الاشياء كامنة منه في صورة الخنزير والحمار والكلب ، فيكون الانسان انسانا في الظاهر ، كلبا حمارا خنزيرا فيلا في الباطن !!