فان قلت ذلك ، لحقت (بالطبائعية) (10) فان شئت تكلمنا فيه على انه قد ظهر من حمقهم لاهل العقول ما يرغبهم عن القول بمقالتهم .
قال الملحد: وكيف يجوز ان يكون الانسان انسانا في الظاهر ، وكلبا وحمارا فيلا في الباطن ؟!!
قال الملحد: فان بين التمرة والنخلة والنواة مشاكلة ، وليس بين الانسان والكلب مشاكلة !
قال القاسم: لو كان بين النواة والتمرة والنخلة مشاكلة -مع اختلاف التشريحات- (لجاز) ان يكون بين الانسان والكلب مشاكلة !
ووجه اخر ، وهو ان الصورة لو كانت في الاصل نفسه ، لكان الاصل نفسه هو التمرة ، لان التمرة انما كانت من تمرة المصورات ، وعرفت من غيرها بالصورة!
فعلى هذا يجب ان يكون اصلها التمرة وهذا مكابرة العقول ! لانه لو كان هذا كذا ، لكان ظهورها في نواتها ، ولعرف واشتهر وعمّ ، ولم يستحل وجود صورتين معا في حين واحد .
قال الملحد: ان النواة هى التى تمر بالقوة (11) الهيولية ، اعنى انها اذا انتقلت تنتقل لم تنتقل الا الى شجرتها ، ثم الى تمرتها ثم تعود الى اصلها فتصير نواة في وسطها .
قال القاسم: لو كان هكذا لكانت الطبيعة التى هل الاصل تمر بالقوة ، لانها اذا انتقلت انتقالاتها صارت تمرة ! وهذه مكابرة واضحة وذلك يوجب عليك ان الاصل البحت تمرة خوخة باذنجان ! لانه جائز عندك الانتقال من صورة الى صورة .
وان كان حكم الاصول في الهيئات خلاف حكم الفروع فسنقول فيه قولا شافيا ، ان شاء الله .
قال الملحد: ان صح ان حكم الاصول في الهيئات حكم الفروع ، تركت مذهبى فانه قد عظمت على الشبهة في هذا الموضع .
قال القاسم: اعلم ان طرق العلم بالاشياء مختلفة ، فمنها ما يعرف بالحس ، ومنها ما يعرف بالنفس ، ومنها ما يعرف بالعقل ، ومنها ما يعرف بالظن والحسبان .
1-فاما الذى يعرف بالحس: فطرقه خمس: سمع ، وبصر ، وشم ، وذوق ، ولمس .
فالسمع طريق الاصوات والكلام والبصر طريق الالوان والهيئات ، والذوق طريق الطعوم ، والشم طريق الارائح ، واللمس طريق اللين والخشونة .
2-وما يعرف بالنفس: الخجل والوجد والسرور والحزن والصبر والجزع واللذة والكراهية ، وما اشبه ذلك من التوهم وغيره .
3-وما يعرف بالعقل شيئان:
• احدهما: ما يدرك بهيئته ، مثل تحسين الحسن وتقبيح القبيح ، وحسن التفضل وشكر المنعم ، ومثل تقبيح كفر المنعم والجور ، وما يجانسه من علم بدائه العقول
• والوجه الثانى: هو الاستنباط والاستدلال الذى هو نتيجة العقول كمعرفة الصانع ، وعلم التعديل والتجوير ، والعلم بحقائق الاشياء .
4-وما يعرف بالظن والحسبان: فهو القضاء على الشىء بغير دليل (قطعى ، او بالقياس على غيره)
انما لخصت لك هذا كله ، ليكون عونا لنا فيما سنعرض من كلامنا ، ويكون احد المقدمات التى نرجع اليها ، فكل شىء من هذه العلوم لا يصاب الا من طريقه ، ولو حاولته من غير طريقه تعثر عليك وكُبتَ ، كمن طلب علم الالوان بالسمع وعلم الذوق بالعين .
71و/ فاما احوال الاجسام فان طريق المعرفة بها من جهة البصر ، والبصر لا يؤدى من الرؤية الا الاجسام ، لان الاجسام لا يجوز ان يخلو من هذه الصفات ، فيتوهمه ويمثله في نفسه خاليا منها ، فاذا لم يجز ذلك ثبت ان الاجسام لا تخلو من هذه الصفات ، وانه لا يجوز حكم اصولها الا كحكم فروعها .
(1) الضرورى: في اللغة كل ما تمس الحاجة اليه ، وكل ما ليس منه بد ، وهو خلاف الكمالى ، وفى النصطلح هو الامر الدائم الوجود ، او الامر الذى لا يمكن تصور عدمه ، وهو مرادف للواجب وضده الجائز ، وبينه وبين الممكن تضايف . اما المعقول فهو مقابل المحسوس وهو ما يدرك بالعقل لا بالحواس ، ولما كانت الحواس عرضة للكثير من الغلط والوهم والضلال ، كانت المعرفة اليقينية مؤلفة من المعقولات لا من المحسوسات . والمعقول في بعض الفلسفات القديمة ولا سيما فلسفة افلطون مرادف للوجود الحقيقى او للشىء في ذاته ، تقول: عالم المعقولات وهو عالم المثل المجردة الموجودة فوق العالم المحسوس . والمعقول ما يمكن ادراك حقيقته وفهم طبيعته ومعرفة اسبابه ويقابله التجريبى . قسم ابن سينا المعقولات الى ثلاثة انماط من الوجود وهى التى 1- وجودها متكثرة في المحسوسات 2- وجودها في العقل الانسانى بعد الكثرة 3- ووجودها في عالم المعقولات
(2) المحدث: ما يكون مسبوقا بمادة ومدة ، وقيل ما كان لوجوده ابتداء . والحدوث: عبارة عن وجود الشىء بعد عدمه
(3) القديم: يطلق على الموجود الذى لا يكون وجوده من غيره ، وهو القديم بالذات .
(4) العدم ضد الوجود ، وهو مطلق او اضافى ، فالعدم المطلق هو الذى لا يضاف الى شىء ، والعدم الاضافى او المقيد ، هو المضاف الى شىء ، كقولنا: عدم الامن عدم الاستقرار عدم التاثر . والعدم اما ان يكون مسبقا وهو المتقدم على وجود الممكن ، واما ان يكون لاحقا وهو الذى يكون بعد وجوده .