فهرس الكتاب

الصفحة 18320 من 27364

قال الملحد: كانك تقول ان شرائع الانبياء خارجة عن العقول ؟! اذ قلت: لا نعلم كيفيتها

قال القاسم: اما قولك: ان شرائع الانبياء خارجة عن العقول ، اذ ليس فيها كيفيتها ، فانى لم اقل لك: كيفيتها ليس فيها بينة اشترطت لك . فقلت لك: انه وان لم يكن فيها كيفيتها ففيها جواز كونها

فقال الملحد: وكيف ذلك ؟

قال القاسم: هو مثل ما نعرفه في الشاهد ، وذلك لو ان سيدا امر عبده ببناء دار ، او قطع شجرة ، او اعطاء عبد الله ، او ضرب زيد ، فانه ليس في العقل ان السيد يامر به ، فاذا امر به ، كان في العقل ان الاتمار به حسن وان تركه قبيح ، اذا كانت لامر سيده عاقبة محمودة ، ورجع نفع العبد .

فالعقل يجوز الامر فكل شىء على خياله ، ولا يوجب شيئا من ذلك دون شىء ، اذا كان ذلك الامر مما ينقل حاله ، في العقل ، وذلك انه قد يكون الشىء الى موضع ما ، حسنا في العقل اذا كان للشىء معنى حسن .

فاما اللواتى يُدرَكُ حكمها في العقل ، فقد ادركه ، بان الامر بها ، لا يامره الا بما هو حسن ، ولا ينهى الا عما هو قبيح عنده .

قال الملحد: فحدثنى عن الصلاة والصيام ، وغيرهما من الشرائع ، هل له اصل في العقل ، يفرع هذا منه ؟!

قال القاسم: اجل قد اخبرتك به انفا ، وهو كالامر بالشىء الى موضع ما ، وكضرب زيد ، واعطاء عبد الله ، ليس له اصل في العقل اكثر من الاتمار لامر الحكيم ، ووجه الحكمة فيه ان الامر انما يامر به ، لينظر هل ياتمر به المامور فيجازيه لذلك لا سيما اذا كان مستغنيا غير محتاج الى ما يامر به ، وانما يامرهم ليمنحهم ، وليظهر بذلك اعمالهم فان الامر به حسن وعلى ذلك سبيل الشرائع .

قال الملحد: خبرنى عن كيفية معجزاتهم ؟

قال القاسم: هو قلب العادات وان لا يترك العادات جارية على مجراها .

فاذا جاء احدهم وقال له قومه: ما الدلالة على كذا وكذا ، الى كذا وكذا ؟! فحينئذ يعرفون صدقه ويضطرون ، وهذا سبيل المعجزات كلها .

ومثل ذلك نفرق بين النبى والمتنبئ ، وبين الصادق والكاذب .

قال الملحد: فانه بقى في قلبى شبهة فاحب ان تقلعها بحسن رايك ونظرك .

قال القاسم: هاتها لله ابوك

قال الملحد: خبرنى عن الله عز وجل ، لم يميت الانسان ويصيره ترابا ، بعد ان جعله ينطق بغرائبا لحكمة وبعد هذه الصورة العجيبة البديعة ، ولم يفنى العالم كله ، ارايت لو ان انسانا بنى بناء فنقضه لا لمعنى ، هل يكون حكيما ؟!

قال القاسم: ليس الامر كما ظننته ارايت لو ان انسانا بنى بناء للشتاء فلما جاء وقت الصيف نقضه وبنى للصيف هل يكون حكيما ؟!

قال الملحد: نعم

قال القاسم: ولمَ ؟

قال الملحد: لان الذى اتخذه للشتاء لا يصلح للصيف وكذلك الذى اتخذه للصيف لا يصلح للشتاء .

قال القاسم: وكذلك الله عز وجل ، خلق الدنيا وما فيها للابتلاء فاذا انتهى اجلها افناها وبعثرها .

ثانيا ( ليجزى الذى اساؤوا بما عملوا ويجزى الذين احسنوا بالحسنى) ولا يكون ذلك خروجا من الحكمة بل الحكمة ان لا يضيع الثواب والعقاب .

قال الملحد: ان التوحيد والتعديل والرسل قد تكلم فيه ناس من اهل العلل ، وكل يشك في الميت هل يحيى ام لا ؟ وكل يجئ في ذلك بشىء فان دللت على ثباته وكيفيته لم يبق لى مسئلة وحينئذ امنت بربى .

قال القاسم: اما الدلالة على حياتها فانى قد وجدت الله تبارك وتعالى حكيما قد امتحن خلقه وامرهم ونهاهم ، وكان قول من يقول بارداته الامتحان داعيا الى الاهمال ، والاهمال داع الى ان الله غير حكيم ، واذا جاز ان يكون العالم قديما لانه لا فرق بين ان يفعل من ليس بحكيم هذا الصنيع العجيب ، وبين ان يقع فعل الامر ، ومحال موجودة ، فتكون قديمة ازلية لا فاعل لها .

ووجدت هذا القول داعيا الى التجاهل ، فلما كان ذلك كذلك صح ان الله حكيم والحكيم لا يهمل خلقه ، واذا لم يمهل خلقه ، لم يكن بد من امر ونهى ، ولم يكن بد من مؤتمر وغير مؤتمر .

واذا كان من حكم العقل ان نفرق بين الولى والعدو ، ووجدنا اعداءه واولياءه مستوية الاحوال في الدنيا ، لانه كما ان في الاعداء من هو مؤثر صحيح ، وفيهم من هو معسر مريض ، وكذلك الاولياء ، فلما كانت في الدنيا احوالهم مستوية ولم يكن بد من التفرقة بينهما صح ان دارا اخرى فيها نفرق بينهما ، وفيها يحييون وفيها ينشرون .

تذت قد وجدت هذه الحال قد اشتمل بالكل ، الولى والعدو ، وذلك قوله عز وجل (ام نجعل الذين امنو وعملوا الصالحات كالمفسدين في الارض ام نجعل المتقين كالفجار)

واما قولك: فاخبرنى عن كيفيتها . فان الله عز وجل جعل الروح لجسد الانسان حياة له ، كالارض اذا اهتزت بالماء وتحركت بالنبات ، كذلك الروح اذا صار في الانسان صار حيا متحركا اذا امتزج احدهما بصاحبه .

قال الملحد: وكيف تمتزج الروح بالبدن وقد صار ترابا ؟!

قال القاسم: وكيف يمتزج الماء بالارض الهامدة اذا صارت محله يابسة ؟!

قال الملحد: هو ان تمطر عليها او يجرى فيها ، فتتصل اجزاء الارض باجزاء الماء ، بالمشاكلة التى بينهما فعندها تهتز وتتحرك .

قال القاسم: وكذلك الروح ترسل الى ذلك التراب فتماسه وتمازجه فحينئذ يحيا الانسان ويتحرك .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت