واما قولك: لم امتحن امتحانات غصب اكثرهم عندها ؟!
فانا نقول في ذلك ولا قوة الا بالله ان الله تعالى انما امتحانه وامره ونهيه وداعيه له من الحكمة ، فمن غصب فمن قبل نفسه لانه لم ياتمر بما امره الله سبحانه ، ولا انتهى عما نهاه ، ولو كان انتهى عما نهاه الله عنه ، وركب ما امره به ، لكان يؤديه ذلك الى الفوز العظيم . فهو من قبل نفسه غصب ، لا قبل الله عز وجل .
ومثل ذلك فيما نعرف ان حكيما من حكمائنا لو اعطى عبيدا له دراهم وقال لهم: ااجروا فان ربحتم ولم تفسدوا ، فانا معطيكم ما يكفيكم ، وان لم تفعلوا عاقبتكم .
فاطاعه منهم قوم وعصاه اخرون ، ولم ترجع اللائمة عليه بعصيانهم اياه ، ولكنها لاحقة بهم حين عصوه ولم يخرج بها سيدهم اياهم وعطيتهم من الحكمة ، اذ لم يدعهم به الا الى الاحسان فلما كان ذلك كذلك كان الله حكيما بامتحانه وامره ونهيه .
قال الملحد: ان الله يعلم ما هم صائرون اليه ونحن لا نعلم ذلك .
قال القاسم: ان الجهل والعلم لا يحسن الحسن ولا يقبح القبيح ، وذلك انه لو كان حسنا لان الآمر به يعلم انه يفعله ، لكان ذلك قبيحا . اذا كان الآمر منا بما يصير اليه المامور جاهلا ، فلم لم يكن ذلك قبيحا لجهل الآمر منا ، لان هانما امر بالحسن ودعا الى الحسن ، وان كان جاهلا بما يصير اليه المامور او عالما .
* وشىء اخر وهو انه لو كان الامتحان قبيحا ، اذا علم انه يعصى لكان لا شىء اقبح من اعطاء العقل لانه انما يعصى عند وجوده ، ويستحق المدح والذم به ، فلما كان اعطاء العقل عند الامم كلها - موحدها وملحدها - حسنا ، دل ذلك بان الامتحان والخلق والامر بالحسن كله حسن ، علم انه يعصى او يطيع .
قال الملحد: فلم مزج الخير بالشر ولم صار واحد غنيا وواحد فقير والاخر قبيحا والاخر حسنا ؟!
قال القاسم: لانم هذه الدار دار امتحان وابتلاء وحقيقة الامتحان فهو ان يخلق فيه او يامره بشىء ثقيل على طاعته فينظر هل يطيع ام لا يطيع ؟!
ولو خلق الله ما هو خفيف على طباعه ثم امره بالخفيف لكان ذلك لذة له وليس بامتحان ، فلما كانت هذه الدار دار امتحان ، كان الواجب في صواب التدبير ان يمزج الخير بالشر والنفع بالضر والمكروه بالمحبوب والحسنة بالسيئة والكريه المنظر بالحسن في النظر ، اذا كان الدار دار امتحان لانه لو كان كله محبوبا كان دار الثواب ، ولو كان كله مكروها كان دار العقاب ، ودار الثواب والعقاب هذه صفتها .
واعلم انه لو لم تعرف علل ذلك ، كان جائز من ذلك انه في بدء الامر ، اذا اقمت الدلالة على انه حكيم في نفسه وفعله ، ثم دللت على ان الكل من افعاله حكمة استغنت عن معرفة علله .
ومثال ذلك من الشاهد انا لو هجمنا على الات من الات الصانع ، فراينا اعواجاج المعوجات واستواء المستويات وصغر بعضها وكبر بعضها وغلظ بعضها ورقة بعضها ، فحكمنا على صانعها غير حكيم ، فكنا جاهلين بالحكمة ، نضع الحكمة في غير موضعها ، بل حينئذ الواجب علينا ان نسلن للحكماء حكمهم ونعرف انهم لا يفعلون شيئا من ذلك الا لضرب من الحكم يعرفونه ، ونعلم ان المعوج والمستوى وكل زوج فيها يصلح له الاخر ، فحينئذ وضعنا الحكمة في موضعها فاعرف ذلك وتبينه بحدة كما قلنا ان شاء الله تعالى
فلما كانت افعال الله كلها احسانا او داعية الى الاحسان ، كان تبارك وتعالى بفعلها كلها حكيما اذ كل ذلك يحسن في العقل .
فان قلت: لم فعل الحسن في العقل ؟
قيل لك: يفعل الحسن لحسنه ولو لم يفعل الحسن في العقل لحسنه كان لا يترك القبيح لقبحه في العقل وكفى بهذا القول قبحا
(1) العلة عند الحكماء ما يتوقف عليه وجود الشىء ويكون خارجا ومؤثرا فيه ، وعلة الشىء ما يتوقف عليه ذلك الشىء ، وهى قسمان: الاول: ما يتقدم به الماهية من اجزائها ويسمى علة الماهية ، والثانى: ما يتوقف عليه اتصاف الماهية المتقومة باجزائها بالوجود الخارجى ويسمى علة الوجود .
(2) دليل التمانع دليل قرآنى وهو مشهور ومعروف عن المتكلمين انظر الاشعرى: اللمع ص 20 والماتريدى: التوحيد ص 21 وانظر الاية 22 من سورة الانبياء .
(3) اعتقد ان للكلام تماما هو (وهم يقولون ان من يفعل الخير لا ياتى شرا ، ومن يفعل شرا لا ياتى خيرا ابدا وكل مطبوع على خلقه)
(4) قارن في ذلك ما ذكره القاضى عبد الجبار: شرح الاصول الخمسة ص 493 وما بعدها
قال الملحد: لقد ابلغت ، قد بينت لى مسائل
قال القاسم: سل .
قال الملحد: ما الدليل على ان الصانع له رسول ؟
قال القاسم: الدليل على ذلك ان الصانع حكيم محسن الى خلقه وفى العقل ان شكر المنعم واجب ، فلما كان هذا في عقولنا واجبا ، وكان الله حكيما منعما على خلقه ، كان من كمال النعمة ان ارسل اليهم الرسل ، مع دلائل اضطرت العقول عندها لتبين لهم كيفية شكره ، لان كيفية شكره ليس مما يعلم بالعقل ، ولا بالنفس ولا بالحس ولا بالنظر ، وان كان في العقل جوازه ، وحينئذ اقام عندهم ، فمنهم دلائل ومعجزات دل على صدقهم .