فان الشر لا يهتدى ابدا !..
فليت شعرى ما هذا الذى يدعونه الى مذهبهم ؟!
قال الملحد: لعمرى لقد لطفت الاستخراج على القوم ولعمرى ان هذا مما يقطع شغبهم ، ولكنهم يقولون: لما كان في العالم خير وشر دلنا على انهما من اصلين قديمين .
قال القاسم: اما وجود الخير والشر في العالم فانا نجده الا ان هذا يدلنا على ان صانع العالم واحد ، والدليل على ذلك ان الخير والشر يبعثان على الخير والشر ووجدناهما محدثين ، وقد قدمنا الكلام في هذا المعنى بما فيه كفاية ، وبينا ان العالم اصله وفرعه محدث وان المحدثَ يقتفى المحِدثَ .
وان كان حكم فاعله كحكمه ، اوجب ذلك حدوث صانع العالم ، ويقتضى المحدث ، فان كان هذا هكذا فلكل صانع صانعُ الى مالا نهاية ، وقد بينا فساده انفا.
* ووجه اخر وهو ان الخير والشر ، امر اختلافهما يدل على قدمهما وليس اختلافهما باكثر من اختلاف الصور والهيئات .
وقد قلنا ان اختلافهما يدل على قدمهما من خالف بينهما واخترعهما مختلفين
* فلو كان الخير والشر مجتمعين في حيز واحد فلا يخلو ان في حال اجتماعهما من امور
1-اما ان يكون اجتمعا بانفسهما او جمعهما غيرهما ، فان كان اجتمعتا بانفسهما ، فمخالف ذلك انهما ضدان ، والضد ان لا يجتمعان بانفسهما مع ان نشاهد نفورهما وفرار كل واحد منهما من صاحبه ذاذا فسد ذلك لم يبق الا جامعا جمعهما .
2-ووجه اخر وهو انه لو كان وجود الخير والشر الا على ان لهما اصلين قديمين لكان وجود الصانع الاربع دالا على ان لها اصولا قديمة !واذا كان هكذا دلنا على ان شاهدا شاهد زور !!
قال الملحد: فاذا لم كن العالم قديما ولا كان مزاج الاثنين ، وكان صنعا من صانع قديم فحدثنى: لم خلق الله هذا العالم ؟
قال القاسم: ان هذا الكلام فرع من اصل ، فان سلمت لى الاصل كلمتك فيه والا نازعتك في الاصل .
قال الملحد: وما ذلك الاصل ؟
قال القاسم: هو ان تعلم بالدلائل ان العالم محدث وان له محدثا ، ثم تعلم محدثه واحد قديم ، ثم تعلم انه قادر حى حكيم في نفسه وفعله .
قال الملحد: قد دللت على الصانع وعلى انه واحد ، فما الدليل على انه قادر حى حكيم ؟!
قال القاسم: الدليل على ذلك انا وجدنا الفعل واقعا دلنا ذلك على ان صانعه حكيم عالم قادر حى .
قال الملحد: فهل وجدت الفاعل الحكيم القادر سوى الانسان ؟
قال: لا
قال: افتقول: انه انسان
قال: انى وان لم اجد انسانا فلم يقع الفعل منه لانه انسان ، اذ قد وجدنا انسانا يتعذر عليه الفعل فلما وجدنا متعذرا عليه ، دلنا ذلك على جواز وجود فاعل ليس بانسان .
الا ترى انا لما قلنا: انه لا يجوز كون الفعل الا من قادر حكيم ، جائز منه ذلك ، وكان قولنا فيه مستمرا ، ولم يستمر القول في ذلك ، لم نقل !!
قال الملحد: قد ابلغت في هذا فترجع ان شئت الى مسالتى .
قال القاسم: سل
قال الملحد: لم خلق الله العالم ؟
قال القاسم: قال الله سبحانه ( الذى خلق الموت والحياة ليبلوكم ايكم احسن عملا) 2 سورة الملك وقال (وما خلقت الجن والانس الا ليعبدون) 56 الذاريات وقال (وسخر لكم ما في السموات وما في الارض جميعا منه) 13 الجاثية . فاخبرنا انه خلقنا للعبادة والابتلاء ليبلغ بنا الى ارفع الدرجات واعلا المراتب .
قال الملحد: فما دعاه الى خلقنا الحاجة خلق ؟!
قال القاسم: ما دعاه ! .. فمحال ، وذلك انه لم يزل عالما بلا سهو ولا غفلة .
فقولك: ما دعاه . محال ، لان الدعاء والتنبيه والتذكير انما يحتاج اليها الغافل ، فاما الذى لا يجوز ان يغفل فمحال ان يدعوه شىء الى شىء ، اذ لا غفلة هنالك ولا سهو . والدلالة على ذلك ، ان الغفلة من الدلالة على الحدوث ، وقد قامت الدلالة على انه قديم .
واما قولك: الحاجة خلق . فالحاجة ايضا من صفات المحدثين والقديم يتعالى عنها .
قال الملحد: فلم خلق ؟!
قال القاسم: اما قولك: لم خلق ؟! فقد اجبتك ، لان قولك لم ؟ وقولى لان . اجابة !
قال الملحد: فما وجه الحكمة في خلق العالم وخلق الممتحنين ؟!
قال القاسم: وجه الحكمة في ذلك انه احسان او داع الى احسان وكل من احسن او دعا الى احسان فهو حكيم فيما يصرفه .
قال الملحد: وكيف يكون حكيما من خلق خلقا فالمه بانواع الالام ، وامتحنه بضروب من الامتحان ؟! خبرنى عن وجه الحكمة في ذلك من الشاهد .
قال القاسم: اما قولك كيف يكون حكيما من خلق خلقا فالمه بانواع الالام ؟!
فوجه الحكمة في ذلك من الشاهد ما هو داع الى الاحسان (4) من ذلك ضرب المؤدبين للصبيان ومن الحجامة والفصد والادوية الكريهة ، كل ذلك داعية الى الاحسان الى شىء حسن في العقل ، فاذا كان الالام في الشاهد ما هو كذلك ، فكل ما كونه الله من قبل مثل الموت والمرض والعذاب وغيره حكمة في الصنع وصواب في التدبير اذ كان كل ذلك داعية الى الاحسان .
قال الملحد: ما الدليل على ان ذلك داعية الاحسان ؟!
قال القاسم: الدليل على ذلك انها افعال الحكيم ، وقد صح ان الحكيم انما يفعل هذه الاشياء التى هى في السلامة والصحة والخير والترهيب من الغم والشر والنقم ، ومن رغب في الخير فحكيم فيما نعرف .