فهرس الكتاب

الصفحة 18383 من 27364

4-الاهتمام بالاختلافات في الفروع وتعصب كل لما يراه ؛ من كل ما فرق شمل الدين وجعله ديانات كثيرة يخاصم كل دين منها ما سواه من الديانات الأخرى حتى انتشرت عبادة الأولياء والتماثيل استجابة لروح الصراع المتعصب .

5-سيادة وهم جمود الإنسان ومقاومة كل من يخرج على ذلك بشتى وسائل القهر والمقاومة ؛ من لعن وطرد وسجن وتعذيب بالغ العنف ينتهي بالشخص إما إلى الموت أو إلى التوبة والرجوع عن آرائه كما جاء في توبة"جاليليو"حين قال: إن الأرض تتحرك فواجه من أسباب القهر ما اضطره إلى أن يعلن توبته ورجوعه عن أقواله تلك . قائلاً: " أنا المدعو بـ"جاليليو"في سن السبعين أركع وأنا سجين أما صاحب القدس وأقبل الإنجيل وأعترف بخطأ القول بحركة الأرض وأكره الإلحاد وألعنه " ، وهكذا أفرغ الجو من الدين السماوي الخالص لا ليسود الدين السياسي فحسب ؛ بل ليسود ، وليتعاون مع الفساد البشري والاجتماعي كي يظل محتفظًا بسلطانه وتسيده .

حركة الإصلاح الديني:

وفي الفصل الثاني تعرض لحركة الإصلاح الديني في أوروبا ، فلم يكن ممكنًا أن ينال هذا الفساد كل التأييد والرضا من جميع الناس ؛ فالفطرة البشرية المستقيمة تظل تبحث - مهما بلغ ضعفها - عن وسيلة للخلاص من الشذوذ والانحراف السائد .

1-وقد رأى الباحثون الأوروبيون أن أوروبا استفادت كثيرًا من الاتصال بالمسلمين والوقوف على الدين الإسلامي في أثناء الحروب الصليبية وما أمدتهم به مراكز الأندلس العلمية ، وتمثلت تلك الإفادات في اقتباس علوم الطبيعة والنجوم والفلسفة والرياضيات من المدارس العربية ثم أخذت تنتشر في أوروبا منذ القرن الرابع عشر كما صرح بذلك"جان ديوت يورث"و"رينان"وغيرهما .

2-وكان من أبرز ثمار ذلك ظهور شخصيات أوروبية عنيت بالإصلاح الديني مثل"جان كالفن"1509 ـ 1564م و"إيراسمس"1466 ـ 1536م"و"مارتن لوثر"1483 ـ 1546م ، وعلى الرغم من تعرض هؤلاء الإصلاحيين للطرد واللعن والسب بناء على أحكام محاكم التفتيش أثمرت جهودهم الإصلاحية تأسيس فرقة"البروتستانت"في ألمانيا ، ثم انتشرت في أوروبا حتى سيق قادتها ومعتنقوها إلى محاكم التفتيش ؛ لمعارضتهم طريقة حياة البابا لإسهامهم في التقدم العلمي والحضاري المناهض للدين الجامد الذي كان يسود أوروبا ، ولم يكن هؤلاء الإصلاحيون -الذين نهضوا بحركات الإصلاح الديني- مقطوعي الصلة بعامة الناس ، فقد صادفت هذه الحركات اتجاهاً أوروبياً يميل إلى الإصلاح وينشده ؛ فكانت البداية الإصلاحية في أوروبا قائمة على الدين الصحيح ، حتى ذهب بعض المفكرين إلى أن أساس جميع الحركات التقدمية في أوروبا قد قام على الدين الصحيح ، وذهبوا إلى ما هو أعمق من ذلك وأبعد وهو أن الغريزة الدينية طبيعة في الإنسان ."

3-ومع هذا وقعت حركات الإصلاح الأوروبية في أخطاء كان من أبرزها:

(أ) الفشل في إيجاد توازن بين العقل والعواطف .

(ب) العجز عن التوصل إلى كيفية صحيحة للإيمان .

(ج) عدم بذل الجهود المخلصة لتوضيح التوافق بين الإصلاح والسنن الطبيعية .

(د) عدم الاهتمام بربط الإصلاح بالناحية الإيجابية للشؤون الاجتماعية

والحضارية.

(هـ) عدم المزج في الإصلاح بين العقل والقلب ولا الاهتمام بإيجاد التوازن بين الدين والدنيا حتى تحل مشكلات الحياة وكان نتيجة ذلك أن جاء الإصلاح محدودًا جدًا .

ويدعم المؤلف ملاحظاته تلك بعدة شهادات تاريخية صدرت عن " هـ . و ويكمن"و"أ . ج . جرانت " .

4-وفي استعراض المؤلف لمقومات حركة الإصلاح ذكر أن ضعف الدين وفشله كان أهم مقومات نجاح حركة الإصلاح .

هذا إلى أنها وسعت نطاق الفكر واتجهت إلى إعادة عصر الترف اليوناني السابق وتغيير صورة المجتمع بما فرضت عليه من اختلاط مشين فيما تبنته من حفلات ومجالس تشتمل على الرقص والغناء والعروض السافرة وتوجيه المناهج الدراسية إلى كل ما يتصل بالنفس الإنسانية وإنشاء أساليب جديدة للصناعة وإضعاف سلطة الملوك والأغنياء ، وتشجيع حركة الكشوف الجغرافية ، وما تمخضت عنه من تأسيس المستعمرات الأوروبية .

5-ومع تغير صورة أوروبا ونشوء عالم جديد فيها نتيجة هذا الإصلاح .. أصبحت الحاجة ماسة إلى دين شامل للتوجيه والإرشاد بما يحتويه من تعاليم شاملة ، ولكن هذا العالم الجديد لم يحظ بهذا الدين ؛ إذا اكتفى بتلك الصورة الباهتة الضعيفة للدين ؛ فلم يتوفر له من أسباب التوازن ما يحميه من تغلب الجانب المادي على الجانب الروحي ، بل زاد من عنف الانحراف إلى الجانب المادي أن الدين النصراني الذي فُرِّغ من أهم خصائصه .. وأصبح مقصورًا على الرهبنة ومعاداة التطور وأصبح ملهاة يتسلى بها القائمون على العالم الجديد ، ففقد كل أدواره الحيوية لتخلفه التام عن التطور ، ولفقدانه ما يقدمه لحركات الإصلاح من دعم يتلاءم مع ما جد من تغير .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت