فهرس الكتاب

الصفحة 18384 من 27364

مع هذا كله .. أصبحت الحاجة ماسة إلى دين يتخلى عن بعض مبادئه الأساسية ويتفاهم مع الأفكار الحديثة ويتفاعل مع الحياة الاجتماعية بكل جوانبه على أن لا يتدخل في الشؤون الأخرى ؛ فكانت النصرانية الجديدة التي طورها"بولس"هي التي تستطيع أن تقوم بذلك الدور ، وما زالت أوروبا تعيش إلى اليوم في ظل هذه التركيبة الغريبة التي تقوم على التمسك بدين ذي عقيدة ميتة وبعض عادات وسلوكيات لا تحقق للنفس إلا التسلية والمتع الجسدية التي استمدها في أوروبا من هيمنة آثار الحضارة الرومانية عليها كما أوضح ذلك"جيبون"في كتاب سقوط الإمبراطورية الرومانية .

وبذلك لم تتوافر أية قوة للتفكير الديني في نشأته الثانية على يد حركة الإصلاح اللوثرية ؛ فانتشر التفكير اللاديني .

العصر الحديث وأحواله الخاصة:

وفي الفصل الثالث تحدث المؤلف عن أوروبا في العصر الحديث الممتد من القرن السابع عشر إلى القرن التاسع عشر فذكر أن أوروبا في هذا العصر كان يسيطر عليها الاتجاهات اللادينية على اختلاف مظاهرها ، وذلك لأن الدين الحقيقي لم يكن ممكنًا أن يتفاهم مع ما نشأ فيها من اتجاهات ونظريات تتلخص في:

1-نظرية القومية والوطنية .

2-المذهب الطبيعي .

3-الحضارة المادية .

أما النظرية القومية فتنسب إلى"ماكيا فيللي"الذي استوردها من روما مع ما استورد منها من العلوم والفنون الأخرى .

ولكنه عرضها بأسلوب جديد مقررًا أن الدولة القومية هي أعلى كيان في الكون وأن الدولة لذلك ليست أخلاقية ولا قانونية ، بل هي سياسية فقط ؛ فهي غير محتاجة إلى الأخلاق ولا إلى الدين ولا إلى القانون .

ولا مانع في الدولة القومية من أن يبقى الدين تابعًا للسياسة وخادمًا لها.

ولإصابة الحياة في أوروبا بالجدب رحبت بنظرية القومية الميكيافيلية ؛ليبقى الدين آلة مستخدمة في يد السياسة كمتعة نفسية أو زينة لمجالس السمر على الرغم من سطحية النظرية القومية بما تقوم عليه من إهمال للأخلاق والسلوكيات .

ولم يقف هذا الترحيب الأوروبي بالميكيافيلية على رجال السياسة ، بل لقد انضم إليهم رجال الدين هناك فأثمر ، ذلك دينا جديدًا هو"الدين الطبيعي"الذي لم يلبث طويلاً حتى حل محل الدين السماوي .

وفي مبحث مستقل عمل المؤلف على التعريف بهذا الدين الجديد ؛ فذكر أنه الذي يبقى حرًا من جميع العادات والتقاليد ، وينبني على الطبيعة الإنسانية فقط وقد نهض بالتبشير به كثيرون مثل:"بودن"و"تورالبا"و"لورد هربرت"ويلاحظ أن هؤلاء جميعًا كانوا حريصين على تحرير الإنسان من سلطة رجل الدين الذي كان يهيمن على كل مقدرات الحياة الأوروبية ؛ ولذلك قام هذا الدين الطبيعي على مقولة:"إن الإنسان يتلقى وحيًا باطنيًا مستمرًا يوجهه ويحرره مع نصائح الموجهين الدينيين".

مناقشة وتقويم:

ثم أخذ المؤلف يناقش هذه الفكرة تحت عنوان"أخطاء الدين الطبيعي"منبها إلى ما في"الوحي الباطني"من خداع مضلل ؛ إذ لا يمكن أن يصان الإنسان في ميدان الحياة عن الهوى والشهوة الشخصية التي تصيب الفطرة بالانحراف .. وموضحًا أن فكرة"الدين الطبيعي"فكرة قد تخدع في الظاهر ، ولكنها أمام الواقع الإنساني قادته إلى الإلحاد واللادينية ، وذلك لاستحالة بقاء الفطرة مصونة من الزيف والغش بعد وقوعها تحت تأثير الوراثة والتربية .

ومع أن انتشار الدين الطبيعي استلزم التنفير من دين الوحي ، وجدت طائفة أخرى لا ترى حاجة حتى إلى تعاليم الدين الطبيعي ، طلبًا لمزيد من الحرية .

وكان من أثر ذلك أن ظهر في بداية القرن الثامن عشر مصطلح"حرية التفكير"في الأدب الإنجليزي ؛ قصدًا إلى تحرير التفكير من جميع القيود .

وتحت عنوان"أسلوب سيطرة الدين الطبيعي على دين الوحي"ذكر المؤلف أن الدين الطبيعي قد اختار أسلوبًا سياسيا للتغلب على دين الوحي حيث تدرج من الدعوة إلى اختبار كل شيء بالمقياس العقلي فبدا متوافقًا مع الكتب المقدسة .

ثم بالمقياس العقلي قرر أنه"لا يعقل أن يوحي الله إلى بعض الناس مباشرة بينما يحرم البعض الآخر من الوحي بينما هناك من يجهلون الوحي تمامًا"، ويخلص الدين الطبيعي من ذلك إلى أنه لا حاجة للوحي ؛ لكفاية الدين الطبيعي من جهة ، ولأن الوحي ليس ممكنًا من الناحية النفسية والخلقية .

وهنا يعرض المؤلف لجعل العقل مقياسا في الحكم على شؤون الدين والحياة؛ مقررًا أن التسليم بما للعقل من دور في إثبات الحقائق والأشياء لا يعني أن هذه القدرة مطلقة فالتجربة والمشاهدة تثبتان أن دور العقل في الدين والحياة محصور في مدى محدود ، لا يستطيع الخروج عليه ولو تجاوزه لأصبح تدخله مضرا .

بل إن العقل ليبدوا عاجزًا في أكثر من أوقات الحياة حتى إنه لينحط إلى أودية العواطف والشهوات وينسى دوره في التوجيه ، وإذا وجد توجيهًا ، فإنه لا ينفع ، ولا يؤدي إلى نتيجة .

فمحدودية العقل تحول بينه وبين الأشياء والأمور التي تخرج عن حدوده .. ومن أبرزها أمور الدين ، فالنقطة التي ينتهي عندها عمل العقل ، يبدأ منها عمل الدين .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت