هذا إلى جانب أن العقل بطبيعته سريع التغير والتلون تأثرًا بما يكشفه وما يقف عليه كل يوم ، مما كان يجهله ، بحيث يقع هذا التغير من جيل إلى جيل ، بل في الفرد الواحد من عام إلى عام ، من كل ما يقرر أن العقل لا يصلح مقياسًا لتنظيم الحياة الإنسانية .
ومن هنا يتقرر أن العقل لا يمكن أن يقوم بتحليل دين الوحي ، ولا يمكن أن يعارض أموره الأساسية .
وتقريرًا لهذا قدم المؤلف نماذج تمثل العصور المختلفة ، وتوضح مظاهر الانخداع في قيمة العقل وقدرته ، بدءاً باستحالات الفيلسوف"زينون"المولود في القرن الخامس قبل الميلاد ، والتي استند فيها إلى عقله ، فحكم بأن الحركة خداع ووهم ، وأنها مستحيلة الوجود .
ومرورًا بالفيلسوف"بيركلي"1685م - 1753م الذي أوصله عقله إلى القول بأن جميع الموجودات إنما هي تصورات ذهنية ، وليس هناك شيء موجود خارج الذهن .
ووقوفاً أمام"هيجل"سنة 1770م _ 1831م الذي وصل بعقله إلى أن وجود الكون قام على أساس التناقض ، واجتماع الشيء وضده . بعد أن كانت عقول السابقين تجزم باستحالة اجتماع الشيء وضده .
وبهذه النماذج الفكرية يثبت أن المقياس العقلي ضعيف ، وأن الشيء الذي يوافق هذا المقياس لا يكون حقيقة قوية ثابتة . ويتقرر بالتالي أن المقياس العقلي لا يصلح لاختبار حقيقة الدين الثابتة .
ويستدرك المؤلف ، فيذكر أن عدم صلاحية العقل لاختبار حقيقة الدين لا يعني تعارض العقل مع الدين ، ولا يعني استغناء الحياة عن العقل ، بل إن للعقل دوراً مهما في شؤون الدين والحياة معًا ، لقيامه ببسط الأدلة التي تدعم المعتقدات الدينية، والتي تمد الحياة بكل جديد .
وهكذا يتقرر أن الدين الطبيعي ، ومذهب حرية التفكير لا يستطيعان أن يقودا سفينة الحياة التي تلعب بها أمواج بحر الشهوات والعواطف إلى ساحل النجاة .
مع الحضارة الحديثة:
ويذكر المؤلف أن الوقوف على حقيقة الدين الطبيعي ، وإصابة العقل والفطرة بالخلل والتشويه ، واستبداد الشهوات والغرائز بسفينة الحياة حتى أصيبت باليأس من الوصول إلى الشاطىء ... كل ذلك كان من نتيجة ظهور الشعور بضرورة الإصلاح وأهميته ، ونظرا لفقد القيادة القوية والبرامج المتوازنة التي تنهض بعبء الإصلاح المطلوب ، فتح المجال أمام بعض الإصلاحيين غير المؤهلين التأهيل المناسب ، فلم يتمكن هؤلاء من الوصول إلى العلاج الحاسم واكتفوا بتقديم المهدئات والمسكنات ، وبرز من بين هؤلاء الإصلاحيين اثنان من المفكرين ، هما"جان جاك روسو"سنة 1712 - 1778م ، و"إيمانويل كانت"سنة 1724- 1804م وهما - كما يقرر الواقع - لم يتجاوزا دور المفكر إلى دور القائد ، ولذلك جاءت إصلاحاتهما محدودة للغاية .
أما"روسو"فقد فرض عليه توجهه الإصلاحي أن يسبح ضد تيار الحياة الجارف في ذلك الحين ، حيث كان الدين والأخلاق في وضع متدهور ، لما ساد من سوء الاعتقاد عن الدين النصراني في البلاد البروتستانية والكاثوليكية بسبب اتهام معظم القساوسة بالانحلال ، وتحول النصرانية إلى مجرد أخلاق شخصية جذابة ، لاتقوم على أصول دينية .
لذلك لم يجد"روسو"مفرًا من أن يواجه تطرف عشاق الحضارة الحديثة بالتطرف في تقويمها ، فلم يلتفت إلا إلى سلبياتها كي يبرز مساوئها في مواجهة الدين والأخلاق ، ومع ذلك كان الدين الذي يدافع"روسو"عنه هو الدين الطبيعي الذي ظهر خلله وقصوره .
ولكنه حاول أن يرفع من قيمته بما قدم من إيضاحات و تفسيرات لم يستطع بها أن يجلي الغموض في هذا الدين ، ولا في حل لغز النصرانية .
كما لم يستطع أن يبين السبيل لصيانة الفطرة من الوراثة وغيرهما من المؤثرات ، حتى يستطيع الإنسان بها أن يصل إلى الدين الطبيعي .
بل إن حياة"روسو"نفسه الأخلاقية قد راحت ضحية الهوى والنزوات ، فكانت حياته مليئة بالمخزيات الفاضحة ، والأعمال القبيحة السوداء .
وأما"كانت"فقد حاول أن يوجه الحياة والفلسفة وجهة جديدة. وكذلك انتهى الحال بـ"كانت"الذي حاول أن يخلص الدين من عيوبه القاتلة: فقد دخل هذا الميدان فاقداً التصور الواضح للدين لانحصاره في الرؤية النصرانية فحسب،ولذلك قرر أن الأخلاق حرة غير مقيدة بقيود الطبيعيات وما بعد الطبيعيات والنفسيات والقضايا الدينية ، فجرد النصرانية من مقومها الأساسي ، وهو الأخلاق.
ولعدم وقوف"كانت"على التصور الواضح للدين ، اضطر إلى الاعتماد على بعض المقولات التي أوقعته في تناقضات خطيرة ، فعلى الرغم من إعلانه الحفاظ على الدين ، نجده لا يولى العبادات الدينية أي نوع من الأهمية ، ولذلك فإن أفكار"كانت"لم تنجح في إخراج الدم الفاسد من جسم الحضارة الحديثة .
ويختم المؤلف هذا الفصل مقررًا أن الشخصيات التي برزت في العصر الحديث ، مع محاولات الإصلاح لم تكن قادرة على أن تنفخ روح الإيمان والعقيدة في القلوب والنفوس ، بعد أن تغيرت طبيعتها الداخلية ، وشوهت فطرتها الإنسانية.
كما فشلت هذه الشخصيات في أن تقود سفينة الحياة المعرضة للطوفان ، كي تصل بها إلى ساحل النجاة .
بعض نظريات الإلحاد: