وفي الفصل الرابع قدم المؤلف أربع نظريات ، رأى أنها كانت من أبرز النظريات التي عرفها القرنان التاسع عشر ، والعشرون ، لما أحدثته من آثار في التفكير الأوروبي في هذا العصر ، وهي نظرية التطور لـ"دارون"1809 ـ 1882م ، التي رأت أن أصل الإنسان حيواني وليس علويًا ، ونظرية الغريزة لـ"مكدوجل"سنة 1817م ، التي حولت دفة الفطرة الإنسانية ونقاءها إلى ظلمة الغريزة ونظرية الجنس لـ"فرويد"1856 ـ 1939م التي حولت العفة والشرف إلى الجنس المستهتر ، ونظرية الاشتراكية لـ"ماركس"1818 ـ 1883م التي كسرت المرآة الروحية للإنسان بحجارة الاشتراكية الجامدة .
وفي سبيله إلى ذلك قدم عن كل نظرية دراسة موضحة ، فتتبع نشأة الدارونية ، وحقيقتها ، والإنسان في ميزانها ، ومكانها من الفلسفات السابقة والمعاصرة ، ومكانة الفطرة فيها ، وأثرها في البيئة والإنسان ، وموقف"دارون"من الدين ، وكيف أنه اضطرب في أمر الدين ، فلم يستطع أن ينكره إنكارًا صريحًا على الرغم من أن نظريته تفرض ذلك ، من كل ما يوضح أن فلسفته قد فشلت في حل كثير من مشكلات الحياة .
ومع ذلك عمل بعض رجال الدين النصراني في أوروبا على إيجاد توافق بين نظرية"دارون"وبين نصرانيتهم المحرفة ، فالنصرانية التي ترى أن الإله حل في المسيح وأنه ـ تعالى ـ تحول إلى إنسان لا تختلف كثيرًا عن الدارونية التي ترى الإنسان في صورة متحولة عن الحيوان .ولم يقف في وجه"الدارونية"إلا الإسلام الذي لا يعترف بتحول الإنسان.
وفي حديثه عن نظرية الغريزة ، بين المقصود بالغريزة ، وأقسام الأفعال الغريزية ، موضحًا أنها تقوم على تقرير أن الإنسان صورة متطورة للحيوان ، ولذلك فالغريزة فيه تماثل الغريزة في الحيوان ، وعلى هذا فالدين فيها ليس من أصول الفطرة الإنسانية ، ولكنه وليد عواطف عديدة ، فهو من اختراع الإنسان ،إذ الدين إنما ظهر نتيجة شعور الإنسان بالعجز ، وخضوعًا لعاطفة الخوف .
وفي حديثه عن نظرية الجنس عرض لأصول تلك النظرية ، وما أقامها عليه من مسلمات ، مقررًا أن نظرية"فرويد"لا تنتظم حياة الإنسان بكاملها ، ولا تجري في طبقات الحياة المختلفة ، وأحوالها العامة ، ولكن الفوضى الجنسية لعصر الإلحاد قد جعلت من هذه النظرية العرجاء محور علم النفس الحديث ، فأعطت فرصة كبيرة لتحقيق الفوضى الحيوانية ، والتحرر الغرائزي ، والتفلت من تعاليم الدين ، وقيود الشرف والأخلاق .
وكذلك صنع مع نظرية الاشتراكية ، فذكر أنها حرب دائمة ضد الدين ، وضد جميع ما وراء الطبيعيات ، وأنها على علاقة وثيقة بنظرية"دارون"، ونظريتي الغريزة والجنس ، فلقد نظر"ماركس"في الاشتراكية إلى الإنسان والكون من وجهة نظر خاصة ، لا يوجد فيها إله ، ولا روح ، ولا دين ، ولا أخلاق ، ولا قيم إنسانية ، بل إنها جميعًا من وضع الإنسان الذي يتبع الأحوال الاقتصادية ، فكانت صورة مكررة للمزدكية التي جعل فيها زعيمها"مزدك"المجوسي المال والأرض مشتركة مثل الهواء ، والماء ، وكان شعارها"الإباحية العامة"و"حرية القول والفعل".
إفلاس .. وتطلع إلى البديل:
من هذا العرض المزدحم بالصور الجزئية ، يخلص المؤلف إلى أن كل نظريات الإلحاد قد أفلست ـ على الرغم مما واكبها من التقدم العلمي والصناعي المذهل ـ وأن كل المحاولات لتلفيق دين ، أو اختراع دين طبيعي يجد الإنسان المكدود في كنفه راحته واطمئنانه .. كل هذه المحاولات قد فشلت .
ولم تستطع إلا أن تستند في انتشارها إلى أسباب العنف والقهر ، حتى استعانت بالقوة البوليسية لفرضها على الإنسان في بعض الأجزاء من العالم ، واعتمدت في الغالب على الإعلان والدعاية المكذوبة الخادعة"عالية الصوت".
وكان هذا الفشل المتوالي لهذه النظريات الإلحادية نذيرًا بأن ساعة الانفجار قد أوشكت ، وأن شمس الإيمان قد قاربت أن تشرق من جديد ، في عالم آخر يحكمه المتواضعون لله ، الذين تنبأت الكتب السماوية الصحيحة بأنهم ورثة الأرض: ( ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرضَ يرثُها عباديَ الصالحون * إن في هذا لبلاغًا لقومٍ عابدين ) [الأنبياء:105 ، 106 ] .
بهذه الرؤية المتفائلة ـ بعد تلك الجولة الشاقة المرهقة ـ ختم المؤلف الأستاذ"محمد تقي الأميني"، فجاءت خاتمته بصمة إسلامية يمتاز بها الإسلام من دون غيره ، حيث أشاع الطمأنينة في نفوس القارئين إلى أن الإنسان مهما ضلت به أقدامه في مسيرة الحياة .ومهما شطحت به أفكاره واضطربت .. لابد من أن يعود في النهاية إلى بوابة الأمان والتوازن .
ولقد بذل المؤلف جهدًا شكورًا في ربط أطراف الأحداث على تشتتها وتوزعها ، ليشكل منها تلك الصورة المتكاملة ، مستهينًا في سبيل ذلك بما تحمله من جهد مضن .
ثم ضاعف ما بذل من جهد في تحميل نفسه عناء إجمالها في تلك الحدود التي تفرضها مساحة الكتاب بدلاً من أن يشغل بها مئات الصفحات التي قد تتجاوز الألف .