فهرس الكتاب

الصفحة 18405 من 27364

وتلك شبهة مفتراة من قبل هؤلاء المنافقين الذين استقوها من أساتذتهم المستشرقين أدوات المؤسسات التنصيرية، أرادوا من ورائها تخريب هذا الدين وتحريف معاني القرآن والسنة، وإخراج المسلمين من دينهم إلى زبالات أذهانهم الفاسدة التي عشعش فيها الشيطان وباض وفرخ.

فالإسلام لا يحجر على عقول المتخصصين في علوم الكون فيما أحرزوه من العلوم، بل هو يدعو إلى التخصص فيها وإلى عمارة الكون بها ويشيد بأهلها في الدنيا، ويثيبهم عليها في الآخرة، وليس فيه أدنى شبه بما فعله رجال الكنيسة في القرون الوسطى التي كانت مظلمة عندهم، مشرقة منيرة عند المسلمين، كما شهد بذلك المنصفون من علماء الغرب من خلال تتبعهم لواقع كل من الإسلام والمسيحية، ومن هؤلاء الأستاذ"غوستاف لوبون"الفرنسي، في كتابه"حضارة العرب"والأستاذة"زغريد هونكه"الألمانية في كتابها"شمس الله تسطع على الغرب"وغيرهما كثير.

والذي يتتبع القرآن الكريم والسنة النبوية وسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وسيرة المسلمين من عهد الخلفاء الراشدين إلى كل العصور التي قويت فيها دولة الإسلام، لا بد أن يخرج بنتيجة خلاصتها أن هذا الدين هو دين التقدم والحضارة الشاملة: حضارة الإيمان والعمل والعلم الذي يعمر الكون ويقدم للأمم من السعادة والطمأنينة في الدنيا والآخرة، مالا يمكن أين يقدمه له دين أو مبدأ آخر في الأرض.

وإنما تأخر المسلمون في حياتهم في الأرض، بسبب من أنفسهم، يعود إلى جهلهم بالقرآن والسنة والسيرة الزكية، وإلى عدم عملهم بما في هذا الدين مما يؤدي إلى عزتهم وشرفهم وقيادتهم للبشرية إلى عمارة الأرض عمارة شاملة للمادة من علم شامل نافع للعالم كله، وعمارة شاملة للمعنى من إيمان وبر وتقوى وعدل ورحمة ومساواة، ودفع عدوان وظلم.

ولقد أبان ذلك إبانة كاشفة علماء الإسلام قديما وحديثا، ومنهم من الكتاب المعاصرين: كل من:"الأمير شكيب أرسلان"- رحمه الله - في كتابه"لما ذا تأخر المسلمون وتقد غيرهم؟!"والشيخ العلامة"أبو الحسن علي الندوي"الهندي - رحمه الله - في كتابه القيم:"ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟!"

فالإسلام ليس مثل المسيحية التي حكمت الناس كذبا وزورا باسم الله، وحالت بينهم وبين التمتع بنعمة ثمار عقولهم التي منحهم الله - تعالى -ليعمروا بها الأرض وينعموا بخيراتها.

ولقد ذكر الله عي كتابه أنه سخر السماوات والأرض لهذا الإنسان؟!

وليس معنى تسخير ذلك له، أن ينام على فراشه وينتظر مجيء رزقه منه إليه بدون كد وعمل منه، بل لا بد أن يقدح عقله ويفكر به في نيل خيرات ما سخره له في السماوات والأرض، ويتخذ الأسباب التي ينال به ذلك.

قال - تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنْ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة (22) ]

وتأمل الآيات الآتية في تسخير الله الكون وما فيه لهذا الإنسان: قال - تعالى:

{وَسَخَّرَ لَكُمْ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (12) وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الأَرْضِ مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (13) وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (14) وَأَلْقَى فِي الأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَاراً وَسُبُلاً لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (15) وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (16) أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (17) وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} (18) [النحل]

فمن اتخذ الأسباب المؤدية إلى انتفاعه بما سخر الله - تعالى -له في هذا الكون، نال نصيبه منه، لا فرق بين مؤمن وكافر، إلا أن المؤمنين مع قد ح عقولهم و عملهم، يشكرون الله على ما سخره لهم ويتذكرون، ولا يستعملون ما سخر لهم في معصيته وظلم عباده، بل في طاعته وإسعاد خلقه، وغيرهم لا يشكرون ولا يتذكرون، بل إن غالبهم يطغون في الأرض، ويستعملون ما سخره الله لهم في معصيته والتكبر على عباده وظلمهم والعدوان عليهم، كما نشاهده اليوم من ظلم وعدوان وكبرياء.

دعوى الإحسان والتوفيق:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت