فهرس الكتاب

الصفحة 18406 من 27364

هذا ومن صفات هؤلاء المنافقين أنهم إذا انكشف خداعهم ومكرهم وظهرت القرائن على كفرهم و عداوتهم للمؤمنين بميلهم إلى الكافرين، ادعوا أنهم إنما يفعلون ذلك إحسانا منهم وتوفيقا بين الإسلام ومصالح المسلمين، وليس قصدهم موالاة الكافرين، كما قال - تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً (61) فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً (62) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً} (63) [النساء]

قال ابن كثير - رحمه الله:

"ثم قال - تعالى -في ذم المنافقين (فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم) أي فكيف بهم إذا ساقتهم المقادير إليك في مصائب تطرقهم بسبب ذنوبهم واحتاجوا إليك في ذلك، {ثم جاؤوك يحلفون بالله إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا} أي يعتذرون إليك ويحلفون ما أردنا بذهابنا إلى غيرك وتحاكمنا إلى أعدائك، إلا الإحسان والتوفيق، أي المداراة والمصانعة لا اعتقادا منا صحة تلك الحكومة..." [تفسير القرآن العظيم (1/520) ]

وهذا دأب إخوانهم اليوم يميلون إلى أعداء المسلمين من اليهود والنصارى، ويتعاونون معهم ضد الإسلام والمسلمين في الخفاء، فإذا افتضح أمرهم وانكشف خداعهم، دافعوا عن أنفسهم بأنهم إنما فعلوا ذلك لجلب مصالح للمسلمين، و دفع ما قد يحصل من مفاسد علهم، بسبب ضعفهم وقوة أعدائهم.

ولهذا تجدهم يبرمون مع أعداء المسلمين العقود والمحالفات وينضمون إلى جواسيسهم ومخابراتهم، لينقضوا بهم في الوقت المناسب على بلدان المسلمين، ليعيثوا فيها فسادا ويبدون ما كانوا يضمرون من عدائهم للإسلام والمسلمين وموالات أعدائهم والتعاون معهم، كما قال - تعالى:

{فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ} [الأحزاب (19) ]

محاربة النصوص باسم الاجتهاد:

لقد ابتلي الإسلام بفريقين من المنتسبين إليه:

الفريق الأول: هجم على بعض النصوص والاستدلال بها على آرائه، وهو خليٌّ من قواعد فهمها واستنباط معانيها الصحيحة، فأفسد من حيث ظن أنه يصلح، كبعض صغار طلبة العلم الذين قرءوا بعض النصوص من القرآن الكريم والسنة النبوية قراءة عجلى، وفهموا مما قرءوا فهما أعوج غير مبني على دراسة واعية على أيدي المتخصصين من أهل العلم، وانطلقوا يصولون ويجولون بتلك الفهوم السقيمة، يطبقونها على المسلمين أفرادا وجماعات، يكفرون ويفسقون ويبدعون، ويصدرون فتاوى يحلون بها ما حرم الله ويحرمون ما أحل الله، يحقرون من خالفهم من علماء الأمة ويسفهونهم، خارجين عن نهج السلف الصالح من أصحاب رسول الله ومن تبعهم بإحسان ممن كانوا يتورعون عن الفتوى وهم لها أهل، خوفا من إثم القول على الله بلا علم، وورعا وتقوى.

إذا وجدوا نصا بدا لهم من ظاهره عندهم دلالته على ما يعتقدون، طاروا به فرحا، وإذا نبههم على سوء فهمهم أحد، وذكر لهم ما فهمه من النص علماء الإسلام، قطبوا وجوههم وقالوا: وما حاجتنا إلى أقوالهم ونحن مأمورون باتباع الكتاب والسنة، ونحن رجال وهم رجال!

مع أن النص الذي فهموا منه فهمهم الأعوج، قد يكون عاما مخصوصا بغيره، أو مطلقا مقيدا بسواه، أو مجملا بينه نص آخر، أو منسوخا لم يعد معمولا به، وهم لا يعرفون عاما ولا خاصا، ولا يعلمون مطلقا ولا مقيدا، ولا مجملا ولا مبينا، ولا ناسخا ولا منسوخا، وقد يكونون درسوا تلك القواعد والمصطلحات نظريا، ولكنهم يجهلون كل ذلك من الناحية العملية.

ولهذا تجدهم يخبطون في الفتاوى والأحكام خبط عشواء، ويضيفون إلى ذلك تجهيل العلماء ونبزهم، دون أن يتواضعوا ويبحثوا بجد في كتب أهل العلم ويطلعوا على قواعدهم وأرائهم وأوجه استدلالاتهم، مع ودعوى الاجتهاد لأنفسهم، وهم على جهل فاضح بما دون الاجتهاد من مبادئ العلوم.

هذا هو الفريق الأول ممن أساءوا الأدب مع نصوص القرآن والسنة، بسبب جهلهم المركب، وهو أنهم يجهلون ويجهلون أنهم يجهلون.

الفريق الثاني: هم أولئك المنافقون الذين كانوا - في الأصل يحاربون الإسلام حربا سافرة لا هوادة فيها، عندما كانت سوق كفرهم وإلحادهم نافقة، معتمدين على دول الغرب أو الشرق المحاربة لهذا الدين، وكانوا يجدون من شباب المسلمين أتباعا يقلدونهم و يتخذونهم قدوة في أفكارهم وعقائدهم.

فلما انتشرت الدعوة الإسلامية في الأرض، وتبين لشباب المسلمين في بلدان المسلمين وفي البلدان الأخرى في الشرق والغرب زيف معتقدهم وعمت الصحوة الإسلامية مشارق الأرض ومغاربها، وسقطت دول كانت تمدهم مع المعتقدات والأفكار الفاسدة بالمادة من مال وسلاح وغيرهما، وأصبح الناس يسخرون من الإلحاد وأهله، فكسدت سوق إلحادهم وكفرهم، لجئوا - كدأب أسلافهم المنافقين في عهد النبوة إلى النفاق الذي أهله في الدرك الأسفل من النار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت