فظهروا بمظهر المصلحين الذين يريدون للمسلمين الخير ويجلبون لهم المصالح، ويدفعون عنهم الشر والمفاسد، فقالوا: إن الإسلام صالح لكل زمان في صلة أهله بربهم فيما بينهم وبينه في العبادة، وقصروا العبادة على بعض الشعائر التعبدية كالصلاة والصيام والأذكار ونحوها، أما الأمور السياسية و الأحكام التي تضمنها القرآن والسنة من معاملات كالبيوع وما يتعلق بها من الربا ونحوه، وبعض نظام الأسرة كتعدد الزوجات والمواريث، وكالحدود والقصاص، فتلك كانت مناسبة للعصور الإسلامية الأولى، وليس مناسبة لهذا العصر الذي شب عن الطوق وأصبحت تلك الأحكام غير مناسبة له.
وتطبيقها يؤدي إلى نفور الناس من الإسلام، ولا ينبغي البقاء على ما تضمنته النصوص من ذلك، وللنصوص جسم وروح ونحن ينبغي أن نستلهم روح النص لا جسده، والذين يتشبثون بظاهر النصوص يسيئون على الإسلام ويقحمونه في لشئون السياسية، والشئون السياسية تتغير وتتبدل، وفيها ما فيها من المخادعة والمناورة التي تنطلق من المكيافللية التي يجب تنزيه الإسلام عنها عدم تدنيسه بها.
هؤلاء يزعمون أنهم مسلمون، وهم ينهجون نهج أهل الكفر الذين حكى الله عنهم في كتابه إنكار تدخل الإسلام في شئون حياتهم، كما قال - تعالى -عن قوم شعيب عندما أمرهم بإيفاء الكيل والوزن، ونهاهم إنقاصهما، وعن الاعتداء على أشياء الناس:
{قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ} [هود (87) ]
وغالب الملحدين اليوم اتجهوا إلى المعسكر الغربي الذي تفرغ بعد انتصاره على العدو الأحمر"النظام الشيوعي"للقضاء على"العدو الأخضر"وهو الإسلام الذي يظنه سيسهل هضمه كما سهل هضم الآخر.
فهم بعد أن كانوا شيوعيين، غيروا جلودهم فأصبحوا ليبراليين، آملين أن يمكنهم صديقهم الجديد من تحقيق أهم مآربهم قديما وحديثا، وهو إبعاد الإسلام من طريقهم.
وهم يظهرون في شعوبهم، إرادة الإصلاح والقضاء على الفساد، مع أنهم أشد فسادا من سواهم، ولكنها عادتهم: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) أَلا إِنَّهُمْ هُمْ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ} (12) [البقرة]
وتلك بعض بلدان المسلمين اليوم يعيثون فيها فسادا مع أعداء الإسلام، فساد الحروب وإزهاق الأرواح، وفساد العقائد والأخلاق، وإفساد الزرع والنسل، وإفساد المال والاقتصاد، وهم يرددون: {إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ}
واجب العقلاء
ولهذا يجب على علماء الأمة ومفكريها وعقلائها الذين عرفوا خطر هؤلاء المنافقين، أن يبينوا للناس خطرهم، ويوضحوا خداعهم ومكرهم، ويكشفوا مخططاتهم، ويفضحوهم كما فضحهم الله - تعالى -في كتابه، وفضحهم الرسول صلى الله عليه وسلم في سنته، يحذروا منهم من يجلهم ويجهلوا كيدهم ومكرهم، حتى لا يغتروا بهم ويظاهروهم على تعاونهم مع أعداء دينهم وأوطانهم من طغاة الكفر الذين ينخذونهم مطايا لاحتلال شعوبهم ومحاربة دينهم ونهب خيراتهم.
كيف نعالج الفساد؟
ولا يفهمن أحد من كلامنا هذا أننا ننكر وجود فساد خطير في لشعوب الإسلامية، فقد عم الفساد فيها السهل والجبل، والجو والبحر، وشمل العدوان على ضرورات الحياة: من الدين والنفس والنسل والعقل والمال، وكل ما يحمي تلك الضرورات من الحاجيات والتكميليات.
ولكن معالجة هذا الفساد لا يكون بجلب ما هو أكثر فسادا منه من تسلط أعداء الأمة الإسلامية عليها بوساطة من يدعي من أبنائها إرادة الإصلاح وهو من أفسد الفاسدين، ولا هدف لهم إلا انتقال السلطات من أيدي فاسدين قبلهم قد يكونون أقل فسادا منهم إلى أيديهم ليهلكوا الحرث والنسل بقوة الأجانب المتربصين بهذه الأمة، كما هو حاصل الآن.
إن الإصلاح الحق إنما يأتي من العمل بتوجيهات الخالق التي أودعها لهذه الأمة في آخر كتاب ختم الله به كتبه المنزلة، نزل على آخر رسول ختم به في أرضه رسله.
وإن الإصلاح الذي تضمنه هذا الكتاب بنصوصه العامة الشاملة، وآيات أحكامه الخاصة المفصلة، وما تضمنته السنة النبوية من البيان والإيضاح لما تحتاجه الأمة من الخير والصلاح، وما استنبطه علماء الأمة في الماضي والحاضر، وما سيستنبطونه من ذلك في المستقبل، وما يحرزه أهل الاختصاص من أبناء هذه الأمة المعتصمين بهذا الدين من وسائل خادمة للإنسان في هذه الحياة، إن كل ذلك لجدير بإذن الله أن يحقق الإصلاح في الشعوب الإسلامية، ما التزم رعاتها ورعيتها بهذا الدين الحنيف.
فعلى علماء الإسلام وحكامه، ودعاة الخير إليه ومفكري المسلمين وأدبائهم وشعرائهم و ومن يتولى منابر تعليمهم و أجهزة إعلامهم، تقع مسئولية الإصلاح الذي يرضي الله - تعالى -وينفع عباده ويعمر بلاده، كل منهم فيما تحته ويتيح له اختصاصه فيه القيام بمسئوليته.
هذا يبين ويوضح ما ينفع الناس وما يضرهم من عقيدة وعمل وأصدقاء وأعداء، وذاك يدعو ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، والآخر يعمل وينفذ.