فهرس الكتاب
لفَّق ذلك المدَّعى رسالة ثالثة كرر فيها ما ذكره في الأولى والثانية من الإفك ، والذي نعرفه لو أن ابن سعود أرسل ألف دينار لتوزع على أهل العلم ممن كان على طريقة ابن عبد الوهاب لرأيت ذلك الفاضل أول من يدعي ذلك ، ولأطلق لسانه وألَّف في مدحهم ؛ ليحصل له القسم الأوفر من ذلك المال ولتبعه أولئك المشاغبون ، ولحَصَلَ نزاع فيها بينهم ، ثم لو أرسل الإمام يحيى 67 ألفين لتُعطى لمن كان على مذهب زيد لرأيتهم أعلنوا بأنهم زيدية حبّاً بالمال ، فالله يوفقنا وإياهم .
أغار الاسكندري على ما لفًّقه دحلان في آخر تاريخه فمسخه وزاد عليه ؛ لتكون صحيفته كثيرة السواد ، ثم رأى رسالة للحافظ السيوطي سمَّاها (( مسالك الحنفاء في إسلام أبوي المصطفى ) )فدخل بين الرسو صلى الله عليه وسلم وبين أبويه بوقاحة وسوء أدب، لينتحل تلك الرسالة ويسرقها ويفتح باب تلك المسألة مفترياً على أولئك القوم ، ولو أنْصَفَ لَطَالَعَ كتاب (( الفقه الأكبر ) )الذي ينسبونه للإمام أبي حنيفة 68 - وهو بريء منه - ولطالع رسالة ملا علي القاري 69 . فيا أيها الفاضل هب أنها راجت المسائل المفروغ منها ، ومالك ولهذه الدعوى ، هب أنها راجت عند العوام والجموديين فهل تروج عند من له أدنى ملكة من العلم ، وما الموجب لدخولك بين الرسو صلى الله عليه وسلم وأبويه ؟ ! وهل وكَّلوك بذلك ؟! ولكن .
ومن البلية عذل من لا يرعوي عن جهله وخطاب من لا يفهم .
وبالجلمة فإن غاية ما يُقال في هذا الفاضل أنه يسعى السعي الحثيث في إبعاد العوام عن خالقهم ورازقهم ومدبر أمرهم ، ويربطهم بالمخلوقين ويلهيهم بما لا يجلب لهم نفعاً ولا ضرّاً ، ويبعدهم عن سُنَّة نبيهم وعما جاء في القرآن من الآيات البينات ، ويتحيل لذلك بفتح التحريف الذي يسميه التأويل ، وعما جاء في القرآن من الآيات البيّنات ليتسنى له أن يكون مشاراً إليه عند العوام ، وعقلاء القوم من كل مذهب لا تروق لهم تلك الخزعبلات ، ولا يميلون إلى ذلك الحشو والجمود ، وكأني بهم وقد رفعوا أصواتهم بالحق ومزَّقوا بمرهفات أقلامهم وسهام ألسنتهم أستار الباطل ، والحق مهما تغلب عليه المبطلون لا يعدم نصيراً .
إن من جملة التعدي نقل أخبار الخوارج وإلصاقها بغيرهم ، ولو كان لأولئك اطلاع لعلموا أن الخوارج موجودون إلى اليوم وهم ما يزيد عن عشرة ملايين ، ولهم مذهب خاص بهم وكُتُت من الفقه والتفسير ، وجلّهم في جاوى ، ومنهم الإباضية في تونس والجزائر ، وبقية المغرب ، وهم يجاهرون بمذهبهم ويطبعون منه المجلدات ، ولكن جمود بعض قومنا أبعدهم عن الاطلاع على ما في العالم من المذاهب ، وحصروا أنفسهم في دائرة ضيقة ، وقاسوا علوم العالم على ما تعلَّموه ، وسوَّلت لهم أنفسهم أنه لا يوجد أذكى ولا أعلم ولا أفقه منهم . فالله يُلهمنا وإياهم الصواب .
خاتمة:
اجتمع جماعة ممن دأبهم ترويج الخرافات على العوام وأسرُّوا النجوى بينهم قائلين: كاد الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر أن يقضوا على حرفتنا الساسانية قضاءً مبرماً ، فقال لهم رئيسهم: لا ضير ، الأمر أسهل ما يكون ، موهوا ما شئتم وارقصوا واغنوا ولا تتقيدوا بمذهب ، فإن اعترض عليكم معترض نادوا بأعلى صوتكم: أنت وهابي مبغض للرسول منكر للأولياء ، واحفظوا هذا الطلسم ، فإنه يجلب لكم المال ، ويدسكم في الوظائف ويحضركم الموائد اللذيذة والمآكل الشهية ، وتنهال الهدية عليكم ، وإذا جلستم في المجالس فقولوا: نحن أخذنا اللب وتركنا لغيرنا القشور ، وإذا وجد عالم متفنن مصلح فاطلقوا ألسنتكم بذمّه والافتراء عليه لتموّهوا على العوام أنكم أعلم منه، واستحلوا الكذب ما دمتم تريدون إصلاح جيوبكم ومعيشتكم ، واعلموا أنه كلما كثر الجهل وقع العوام في عماء ، فكلما لاح لكم طريق لنشر العلم فبادروا إلى طمس معالمه ، وكلما أتاكم ذو بصيرة فناصبوه بالعدواة ، وألقوا في الأذهان أن العلوم الدنيوية أجمعها كفر وضلال ، وما ذلك إلا أنكم لا تشموا رائحتها ؛ ولانها تقضي على خرافاتكم بالدمار، وكلما رأيتم صاحب فكر مستنير قابلوه بالمكر والخداع حتى إذا غاب عنكم تلذذوا بغيبته ونميمته ونصب المكايد له ، وحينئذٍ يتم ما تريدون: فأذعنوا لما أمر به وقام الكل متعاهدين على ذلك ومهما كان الأمر .
ومهما تكن عند امرئ من خليقة وإن خالها تخفى على الناس تُعلم
انتهت الرسالة .