فهرس الكتاب

الصفحة 18461 من 27364

إن صاحب المنحة أعاد بعد ذلك معنى ما ذكره في رسالته الأولى وأنزل نفسه منزلة الثكلى ينوح تارة ، ويموِّه أخرى ، ويلفق ويمخرق وما أعرفه بذلك العلم وما قصده إلا إثارة الفتن والتوجه عند العوام لمآرب يعلمها علام الغيوب .

دسَّ نفسه بين الصوفية وتكلم على الذِكر ثم تدرَّج إلى أن نسب للقوم أنهم اخترعوا من الذِكر ما يناسب الوقت ، حيث قال: ( تفنن الشيوخ المرشدون من أتقياء الأمة في تعليم المريدين طرائق الذكر بحسب ما رأى كل مرشد حال أهل الوقت الذي كان فيه ) .

فانظر كيف نسب الشيوخ إلى الابتداع ومخالفة كلام الرسو صلى الله عليه وسلم ، وهل بلغه ذلك بنقل صحيح عن الشيخ عبد القادر الجيلاني أو السيد أحمد الرفاعي والدسوقي والبدوي وأضرابهم أم عن الشيخ أرسلان وأبي البيان أم عن رجال الرسالة القشيرية 64 ، أم عن أساتذة حلية الأولياء لأبي نعيم فإن كان بلغه ذلك فليخبرنا به من غير تحريف ولا تبدليل ، فإن أخبار أولئك القوم بلغت من بعدهم بطرق كادت أن تكون متواترة ، وما بلغنا أن واحداً منهم أنشأ عبادة لم يأذن الله بها ، فالله يتلوى هُدانا ويلهِمنا الرُّشد .

وأزيدك على هذا أن الشيخ عبد القادر الجيلاني لا يهمنا انتسابك إليه ، فإن نسله قد ملأ البلاد وهم أعرف الناس بأنساب بعضهم ، ولكن يهمنا أن نقول: نحن أولى الناس به من جهة علمه وصلاحه الذي صار كالمجمع عليه ، فإن الشيخ رضي الله عنه حنبلي المذهب سلفي الاعتقاد كما تشهد له بذلك كتبه ، أبعد الناس عن البدع وهو الصارم المسلول على من خالف سنة الرسول .

ولقد أخذ عنه العلمَ مَنْ هو مثل الشيخ موفق الدين المقدسي مجتهد المذهب الحنبلي ، والحافظ عبد الغني المقدسي إمام أهل الحديث في وقته وغيرهم ، وانتصر أهل السنة بظهوره كما ذكره الحافظ ابن رجب في الطبقات وغيره ، ووصفه بأنه شيخ العصر وقدوة العارفين وسلطان المشايخ وسيد أهل الطريقة في وقته ، وكان بارعاً في المذهب والخلاف والأدب والأصول ، أفيليق بقدر هذا الإمام أن ينسب إليه المخرفون بأنه كان صاحب طبل وزمر وبدع ما أنزل الله بها من سلطان ، توصلاً إلى غايات سافلة وميل إلى أقوال افتراها عليه من يريد بها عيب هذا الدين ، وهو والله برئ منها كما أن الرفاعي والبدوي والدسوقي وغيرهم من الكمل 65 . بريئون من جميع ما ينسبه إليهم أهل الخلاعات والمجون .

مساكين أيها السادة ، زهدتم في الدنيا وأظمأتهم نهاركم وأسهرتم ليلكم في عبادة ربكم ، ثم لقيتم وجه الله فخلف من بعدكم خلف جعلوا حياضكم مورداً لكل متحيل ، ومنهلاً لمن يروج بدعة يبتغي من روائها الطعام والشراب ، يلفق كلاماً يشبه كلامكم ولم يجاهد نفساً لتكون مثل أنفسكم .

ثم إن كرامات الأولياء ما سمعنا من أحد إنكارها ، فإنما هو على أشياء مكذوبة لا تطابق عقلاً ولا نقلاً ، وكيف ينكرها قوم يتلون كتاب الله وسنة رسوله ،لكن صاحبنا أخذ يلتقط أشياء من أفواه العامة ويسوّد به صحيفته ، ومثل هذا يكون الكلام معه ضائعاً ، فلا يُلتفت إليه وإن أطال مهما أطال ، ونحن نكلفه أن يثبت مدعاه بالنقل من كتاب موثوق به ، فإن وجد شيئاً من ذلك فنحن نشاركه في الرد على المنكر لكن على طبق الشرع وصحة النقل .

وحاصل الأمر أن هذا الرجل لشغفه بالظهور وإن كان فيه الخروج عن الشرع يتسرع إلى تكفير من سماهم وهابية ، ثم يحمله الحقد أن ينسب إليهم ما ليس لهم به علم ، ويستعين على تأييد مدعاه بالسبِّ والشتم ، فإن كان أولئك باءوا بذنب التكفير فقد باء هو بذلك الذنب وزاد عليهم بذنوب الافتراء والإفك والسبِّ والشتم والتعدي على الشرع وتحريفه ، ومَنْ طالع رسالته بإمعان علم منه ذلك ، فنعوذ بالله من الرياء والنفاق .

أما الكلام على الخضر فقد كفانا مؤنة الكلام عليه الحافظ ابن حجر العسقلاني في كتابه (( الإصابة ) )والحافظ ابن الجوزي وغيرهما من كبار العلماء وما يذكره الصوفية من حياة الخضر وإلياس فهي رموز66 قد حلَّها صاحب الفتوحات المكية في السؤال الثالث والخمسين والمائة من المجدل الأول من فتوحاته ، حيث قال: الخضر عبارة عن البسط ، وإلياس عبارة عن القبض ، فكُتُب الصوفية أُلِّفَت لمن يعرف مصطلحهم لا للجاهل الغبي الذي لم يشم شيئاً من مداركهم ، ثم يتكلم على حد قول القائل:

كلامك با هذا كبندق فارغ خلي من المعنى ولكن له طقش

ولله در المعري حيث قال:

فما يال هذا العصر ما فيه آية من المسخ إن كانت يهود رأت مسخاً

وقال بأحكام التناسخ معشر غلوا فأجازوا الفسخ في ذاك والرسخا

وقال:

أحسن بهذا الشرع من ملة يثبت لا ينسخ فيما نسخ

جاءت أعاجيب فويح لنا كأننا في عالم قد مسخ

خاتمة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت