فهرس الكتاب
أقول: وكنت أود أن يكون ذلك الخبر مطويّاً ، لكن جرأة ذلك الكاتب ووقاحته أوجبت ذلك قال ( قال الإمام الفقيه ابن قتيبة في كتابه(( الإمامة والسياسة ) )62: إنَّ يزيد بن معاوية لمَّا وُلي المُلك وامتنع أهل مكة والمدينة عن بيعته أجمع على إرسال الجيوش إليهما ، فعسكر من بلده وعرض الأجناد فلم يخرج معه أصغر من ابن عشرين ولا أكبر من ابن خمسين ، وكان الجيش على خيل عراب وسلاح شاك ، وجعل على الجيش مسلم بن عقبة ، وأرسل معه عشرة آلاف بعير تحمل الزاد ، وأوصاه أن يتخذ المدينة طريقاً إلى ابن الزبير وهو بمكة ، وقال له: إن صدوك أو قاتلوك فاقتل من ظفرت به منهم وانهبها ثلاثاً ، قال ابن قتيبة: وذكروا أنَّ أهل الشام لمَّا انتهوا إلى المدينة عسركوا بالجرف وأحدقوا بها من كل ناحية . وخلاصة الأمر أنهم دخلوا المدينة بحيلة من بعض أهلها فاقتتلوا مع أهلها ، وجعل مسلم يقول: من جاء برأس رجل فله كذا وكذا ، فجعل يغري قوماً لا دين لهم ، فقتلوا وظهروا على أكثر المدينة وقتلوا بشر بن حنظلة ومحمد بن عمرو بن حزم الأنصاري فرؤي بعد قتله ساجداً ، ثم دخل الجيش المدينة فجالت خيولهم فيها يقتلون وينهبون وقتلوا عبد الله بن زيد بن عاصم وكان يومه صائماً فضربه رجل من أهل الشام بفأس بيده فخرج منه نور ساطع في السماء ، وقُتِلَ عبد الله بن حنظة فرؤي بعد موته مادّاً أصبعه السبابة ، وإبراهيم بن نعيم فغطي فرجه بيده ، وعبد الله بن زيد صاحب حديث الأذان .
ودخلوا دور بني الأشهل فما تركوا في المنازل من أثاث ولا حُلي ولا فراش إلا نقد صوفه حتى الحمام والدجاج كانوا يذبحونها ونتفوا لحية أبي سعيد الخدري وضربوه ضربات ثم أخذوا كل ما وجدوه في بيته والرجل لم يخرج لقتال ، وكان سعيد بن المسيب لم يبرح من المسجد ولم يكن يخرج إلا من الليل إلى الليل ، وكان يسمع إذا جاء وقت الآذان أذاناً يخرج من قبل القبر الشريف .
وبلغ عدد قتلى الحرة يومئذ من قريش والأنصار والمهاجرين ووجوه الناس ألفاً وسبعمائة ومن سائرهم من الناس عشرة آلاف سوى النساء والصبيان ، ودخل رجل من أهل الشام على امرأة نفساء من نساء الأنصار ومعها صبي لها ، فقال لها: هل من مال ؟ فقالت: لا والله ما تركوا لي شيئاً ، فقال: والله لتخرجن إلي شيئاً أو لأقتلنك وصبيك هذا ، فقالت: ويحك إنه ولد ابن أبي كبش الأنصاري صاحب رسول ا صلى الله عليه وسلم ، ولقد بايعت رسول ا صلى الله عليه وسلم معه يوم بيعة الشجرة على ألا أزني ولا أسرق ولا أقتل ولدي ولا آتي ببهتان أفتريه ، فما أتيت شيئاً ، فاتق الله ، ثم قالت لابنها: يا بني ، والله لو كان عندي شيء لافتديتك به، قال ، فأخذ برجل الصبي والثدي في فمه فجذبه من حجرها فضرب الحائط فانتثر دماغه في الأرض .
قال: فلم يخرج من البيت حتى اسودَّ نصف وجهه فصار مثلاً ، وذكروا أنه قتل يوم الحرة من أصحاب صلى الله عليه وسلم ثمانون رجلاً ولم يبق بدري بعد ذلك .
وكانت الواقعة في ذي الحجة لثلاث بقين منها سنة ثلاث وستين من الهجرة .
وفي تاريخ أحمد بن يوسف الدمشقي المعروف بالقرماني أن مسلماً دخل المدينة وانتهبها ثلاثة أيام وافتض فيها ألف عذراء والقصة أعجب من ذلك ، وقد أطال المؤرخون في فظاعتها ووصفها .
وفي تاريخ القرماني أن ذلك الجيش سار حتى أتى مكة سنة أربع وستين من الهجرة فنصب أميره الحصين بن نمير المنجيق على أبي قبيس ورمى به الكعبة المعظمة واحترقت من شرارة نيرانها أستار الكعبة وقرنا الكبش الذي فدي به إسماعيل وكان بالسقف ، وجاء رجل في طرف رمحه نار واستعملها بالفسطاط فوقعت النار على الكعبة فاحترق الخشب وانصدع الركن ، واحترقت الأستار وتساقطت إلى الأرض وذلك سنة أربع وستين من الهجرة ، والقصة مسطورة في التاريخ معلومة 63 ، وصاحب المنحة أعزَّه الله نقل تلك الوقائع وزاد عليها من عنده ، ونسبها إلى قوم أتوا بعدها بما يزيد عن الألف ومائة سنة فالله يجزيه جزاء المفترين .
وعلى فرض أن ما ذكره له أثر فما يجيب به عن واقعة الحرة وغيرها من الوقائع فهو جوابنا ، فليتأمل من يطالع رسالته وليطالبه بالنقل وعند ذلك يتجلى الحق على أن فن التاريخ قد وصل اليوم إلى درجة عالية ولا يعانيه إلا من عنده حذق وتمحيص وتدقيق كما نراه اليوم في كتب الأوربيين ، أفيكون أولئك أولى منا بالصدق ، والمدعون للعلم لا يبالون بالإفك والتعدي والافتراء وابتاع الأغراض وأهواء النفوس ، كأنهم لم يعرفوا الحديث الصحيح (( كفى بالمرء إثماً أن يحدث بكل ما سمع ) ).
على أننا نقول: إن في الأخبار مبالغة وليُطلع صاحب النفحة كتاب أستاذه دحلان من أوله إلى آخره ، ولينظره بعقل فإنه يجده قد نسب إلى الأشراف أمراء البيت الحرام من القتل والتعدي وسفك الدماء أكثر مما افتراه على من سماهم وهابية ، فيعلم حينئذٍ أن الرجل لا ثقة بما ينقله ولا بما يقوله ، وإنما يبني بنيانه على شفا جرف هار .