فهرس الكتاب

الصفحة 18459 من 27364

فإن قلت: حمله بعض العلماء على التغليظ ، قلنا: واحمل قول من ترد عليهم على التغليظ 58 ، وهناك يرتفع النزاع والظاهر أن هذا الرجل من بعض الفرق الذين يجوّزون وضع الأحاديث نصرة لمقالتهم ، ومن الذين يحرِّفون القرآن حسب مشتهياتهم وأغراضهم ويسمونه تأويلاً ليقضوا على كتاب الله وسنة رسول صلى الله عليه وسلم كما يظهر لك من قوله:

قال: ( عاشراً: تكفير من نذر أو ذبح لغير الله عند مراقد الصالحين ) .

هذا افتراء من جهة 59 واجتهاد جديد منه غير أنه مصادم لقوله تعالى: (( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ ) ) ( المائدة: 3) .

فالله تعالى حرَّم ما أهلَّ لغيره به ولم يخصص ذلك بمراقد الصاحين ، ولا بغيرهم ، وقد عدّ هذا الفاضل تحريم ذبح ما أهل لغير الله ذنباً ، وعلى مقتضى اجتهاده أن ذلك قربة ، فخالف الكتاب والسنة والإجماع ، وكلامه في هذا المقام غني عن البيان زيفه ، ومنه تعلم أن هذا الشيخ تأخذه الحدة حتى لا يعلم ما يقول ، ولعله يصل إلى درجة يسقط عنه بها التكليف والله يتولى الإعانة .

قال: ( إن الوسيلة كل ما يُتَقَرَّب به إلى الله تعالى ) .

نقل في هذا المقام كلاماً طويلاً يناقض بعضه بعضاً ، ونحن نغضي عنه لكثرة ما أُلِّف فيه من التأليف ، ثم نَقَضَ ذلك بقوله: الوسيلة كل ما يُتَقَرَّبُ به إلى الله تعالى ، وعلى زعمه ولو كان شجراً أو حجراً أو تراباً أو بناءً أو وثناً أو صمناً ، ولم يعلم أنه لا يتقرب إلى الله تعالى إلا بما أمر الله تعالى به ، وصحَّ الأمر به عن نبي صلى الله عليه وسلم: (( وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ) ) ( الحشر: 7) .

وأما تلك البدع التي يريد أن يجعلها سُنَّة ، فكل مؤمن ينكرها عليه وعلى غيره ، وفطرة الله التي فطر الناس عليها تأباها ، ثم إن باقي ما ذكره في رسالته قد كثر فيه القليل والقال ، وكثرت فيه المؤلفات والردود ، وقد أسلفنا لك قول بعض أئمة الحنابلة في ذلك فلا حاجة لنا في الإطالة هنا ، وعلى الله قصد السبيل .

النفخة الثانية

الحمد لله وحده ، وصلى الله على من لا نبيَّ بعده ، وبعد:

فإن رسالة المنحة لما سماها صاحبها المنحة الإلهية ، وكانت المنح الربانية لا تكون إلا بالحق ، لا جرم حداني البيان إلى مناقشته في أشياء لا يحق لها أن تسمى منحة إلهية كما سيرى ذلك من له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد .

أستدلَّ بقوله تعالى: (( وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ ) ) ( النساء: 115) .

أقول: أليس سبيل المؤمنين هو سبيل الرسو صلى الله عليه وسلم وسبيل الصحابة والتابعين ، وما درج عليه أهل القرون الثلاثة ، وكلهم كانوا يؤمنون بآيات الصفات على قاعدة قوله تعالى: (( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ) ) ( الشورى: 11) . من غير تأويل 60 ولا تعطيل ولا تشبيه ولا تمثيل ، كما أوضحنا ذلك فيما سلف ، هذا هو سبيل المؤمنين ، وأما تكل البدع التي تحوم حولها تأييدها فأخبرنا متى كانت في زمان السلف ، وفي أي وقت حسَّنوها ؟ ولو منح الله تعالى ذلك الكاتب منحة إلهية لعَلِمَ أن الآية دليل عليه لا له ، وهذا كتاب الله ينطق بالحق وهو الحكم قال تعالى: (( قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ اِئْتُونِي بِكِتَابٍ مِّن قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ * وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَومِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ ) ) (الأحقاف: 4-5) .

قال: ( لو كانوا كانوا يزعمون أنهم على الحق لَمَا حاربوا أهل الإيمان في بيت الله الحرام وارتكبوا أعظم القبائح بقتلهم الناس حين دخلوا الطائف قتلاً عامّاً حتى استأصلوا الكبير والصغير إلى آخر ما قاله ) .

نقول: هذه قضية تاريخية ، وليس أحد من المؤرخين سواء كان من أعدائهم أو من غير أعدائهم ، قال: إنهم قاتلوا في البيت الحرام ولا دخلوه في قتال ، اللهم إلا ما كان من دحلان فإنه زعم أنهم قتلوا جده لأمر ما ، فاشتدَّ حنقه عليهم مع أنه ذكر في كتابه أشياء كثيرة مِنْ قتل ونهب وغارات ألصقها بأمراء البيت الحرام ، وناقضه الجبرتيُّ 61 وما وسعه إلا التكلم بالحق ، وإنَّا إن شاء الله سنفرد جميع ما ذكره الجبرتي في رسالة ليظهر أنك المفتري ، فإن كان يزعم أن الطائف من الحرم فذلك اجتهاد منه ، ولكن طاش سهم الكاتب ، ومن يتأمَل كلامه بإنصاف تظهر له المناقضات والتحامل لا سيما في قوله: إنهم أحرقوا المصاحف والصحيحين وغير ذلك .

ثم إني أدل القارئ على من فعل ذلك الفعل الذي نسبه لغير أهله معتمداً على أصح الكتب التاريخية ، ولا أتجرَّأ على نسبة فعل لغير فاعله خوفاً من الله تعالى الذي قبَّح الكذب والافتراء وأعدَّ لصاحبه ما أعد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت