فهرس الكتاب

الصفحة 18496 من 27364

والغريب في الأمر أن كتب الرباعيات منتشرة في كل مكتبات العالم، وهي في طبعات تكاد لا تحصى، وفي لغات الدنيا قاطبة، وكثيراً ما تختلف رباعيات طبعة عن أخرى في اللغة ذاتها، أو في اللغات المختلفة، وليس من المستغرب أن يتجاوز عددها في شتى الطبعات ألفي رباعية، أو يزيد.

ويقف الباحث المدقق متسائلاً: أصحيح أن عمر الخيام، الفارسي، المسلم، كان رجلاً متهتكاً، أمضى حياته كما يصورون ويزعمون؟

أصحيح أنه نظم هذه الآلاف المؤلفة من الرباعيات الصارخة بالمجون والمعصية والفجور؟ بل كيف انتقلت هذه الأشعار الفارسية المحلية إلى معظم لغات العالم، ومن الذي نقلها، ونشرها، ورسمها وزينها وأرخص ثمنها ؟

ويعود الباحث إلى مراجعه، وكتب التراجم، يستقصي سيرة عمر الخيام ويستوضح شخصيته، ليعرفه على حقيقته، ويعرف كل صغيرة وكبيرة عنه.

المفاجأة الكبرى التي تبلغ حد الصدمة تبدو حين يبدأ بقراءة سيرة هذا الرجل، فيرى أن اسمه عمر، وكنيته أبو الفتح، ولقبه غياث الدين، ووالده إبراهيم النيسابوري، وشهرته: الخيام، أو الخيامي، لاشتغاله بصنع الخيام.

اتفق أكثر المؤرخين على أنه ولد في نيسابور من أعمال خراسان في النصف الثاني من القرن الخامس الهجري/ العاشر الميلادي، وتوفي قبيل انتهاء الربع الأول من القرن السادس الهجري الحادي عشر الميلادي، ويحدد خير الدين الزركلي في كتابه"الأعلام"وفاته بسنة 515 هجرية، الموافقة لسنة 1121 للميلاد.

أما عن دراساته فيذكر المؤرخون أن كتب الفلسفة اليونانية المترجمة شائعة، ومؤلفات أرسطو طاليس وأفلاطون وإقليدس وبطليموس وجالينوس وفيثاغور وزينون وأبيقور في الفلسفة الطبيعية والإلهية والرياضية، وما يتفرع عنها من منطق وطب وهندسة وأخلاق وسياسة وهيئة ميسرة بين الناس، والجدل محتدم حول آراء السفسطائيين والمشائين الرواقيين وغيرهم من أهل المذاهب الفلسفية كانت شائعة ومعروفة.

وفي عصره نضج علم الكلام، واشتد النزاع العلمي بين الأشاعرة والمعتزلة والحنابلة (!) والجبرية، وشاعت آراء الباطنية، وكثر الإقبال على التأليف في مختلف العلوم والفنون، وذاعت رسائل إخوان الصفا، وتعددت الفرق والطوائف، وكثر الأطباء والفلاسفة، وظهر أبو علي ابن سينا، واشتد النزاع بين الدين والفلسفة، وألف حجة الإسلام (!) الغزالي كتباً في الرد على الفلسفة، وعظم أمر التصوف، وكثر القائلون بالجدل ووحدة الوجود، وتفرد نفر بآرائهم الحرة فاتهموا بالزندقة والإلحاد وصفوة القول: عاش الخيام في وسط علمي، وفي بيئة علمية وفنية، فعاصر زمرة من الفلاسفة والأطباء والمهندسين والرياضيين والفلكيين من بناة الأرصاد، وتتلمذ على نوابغ عصره من العلماء، وتردد إلى بعضهم، وتردد بعضهم إليه، وكثرت بينه وبينهم المجادلات والمحاورات والمراسلات في علوم شتى، وكان لأولئك الذين تتلمذ لهم وتتلمذوا عليه مكانة علمية عظيمة في عصره.

معاصروه جميعاً وصفوه بأحلى وأجمل وأرفع ما وصف به الرجال والعلماء، رفاق دربه وأصحابه وأترابه كانوا من خيرة الناس وأفضلهم.

منهم الإمام أبو حامد الغزالي، مجدد المائة الخامسة للإسلام (!) ، وصاحب (إحياء علوم الدين) ومنهم الوزير نظام الملك، وزير ملوك السلاجقة، وباني المدارس النظامية في شتى أرجاء العالم الإسلامي، وجار الله محمود الزمخشري، صاحب التفسير المعروف باسم (الكشاف) وصاحب الكتب اللغوية، والإمام ظهير الدين البيهقي، صاحب كتاب (حكماء الإسلام) . وكثيرون آخرون على هذا المستوى ناهيك عن صحبته لملوك عصره، أمثال جلال الدين ملكشاه، وألب أرسلان، وخاقان بخارى، وسواهم من أبناء مطلع القرن السادس الهجري.

مؤرخو عصره وصفوه بـ (الإمام) و (حجة الحق) و (وحكيم الدنيا وفيلسوفها) و (الدستور) و (ابن سينا الثاني) و (العالم الفلكي) و (الفقيه) و (العالم بالقراءات القرآنية) و (الزاهد) و (المتصوف) .

تُرى: هل يمكن أن يوصف إنسان على هذا القدر من العلم، والخلق، والزهد، والتقوى، والحكمة، وحسن مجالسة وعارفوه بتلك الأوصاف الرائعة.

لم يقل أحد من تلاميذه وشيوخه وأصحابه ورفاق دربه إنه كان زنديقاً، أو سكيراً، أو منحرفاً ، حتى الشعر ذكروا أن له عدداً من الرباعيات في الزهد لا تزيد على بضع عشرة، جميعها أشادت به، وعرضت أشعاره بالعربية والفارسية، وهي قليلة ومحدودة، لا تتجاوز معاني الزهد، والشكوى من الأصحاب غير الأوفياء، والفقر، وهموم الحياة، والإيمان الكامل بالله الواحد الأحد، الفرد الصمد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت