فهرس الكتاب

الصفحة 18497 من 27364

يشهد على ذلك ما جاء في ترجمة حياته بتلك الكتب التي كتبت في حياته، والكتب التي كتبت بعد وفاته بقليل، منها: (جهار مقاله) لتلميذه أحمد بن عمر النظامي السمرقندي و (حواشي جهار مقاله) و (الزاجر للصغار عن معارضة الكبار) للزمخشري، و (حكماء الإسلام) للإمام أبي القاسم البيهقي، و (نزهة الأرواح وروضة الأفراح) لشمس الدين محمد بن محمود الشهرزوري، و (فردوس التواريخ) لخسرو الأبرقوهي، و (عجائب المخلوقات) لعماد الدين زكريا القزويني، و (جامع التواريخ) لرشيد الدين، و (أخبار الحكماء) لجمال الدين علي بن يوسف القفطي، و (كامل التواريخ) لابن الأثير، وسواها، وجميعها أشادت به، وعرضت أشعاره بالعربية والفارسية القليلة والمحدودة.

ويثور في الذهن سؤال ضخم كبير: كيف نسب إلى هذا الرجل هذا الكم الهائل من الرباعيات، وهو لم يقل إلا بضع عشرة رباعية؟ وكيف جعلت الأشعار عمر الخيام زنديقاً أو كالزنديق، وهو رفيق أكابر العلماء ونظيرهم؟ وكيف انتقلت هذه الأشعار إلى لغات العالم؟ ولماذا صورته بهذه التصاوير؟ ولماذا بذلت الرباعيات هذه البذل، وغدت بمتناول كل يد؟

ونتساءل عن هذه الظاهرة التي انتشرت في العالم كله منذ ما يزيد على مئة عام من عصرنا، ونحاول أن نعرف العوامل التي دفعت إلى انتشار هذه الأشعار الماجنة لشاعر مسلم.

كان أول من عرف الخيام من الفرنجة توماس هايد أستاذ العربية والعبرية في جامعة أوكسفورد، وتبعه المستشرق النمساوي هامر برغستل سنة 1818م، ثم غرس دوتاسي، وفي القرن التاسع عشر ترجم السير كور أوسلي رباعيتين، وإدوارد هارن بعض رباعيات، والفرنسي نيقولا السفير في طهران، وشبهه بحافظ الشيرازي، وبلغ عدد المترجمين للرباعيات في القرنين الماضيين أكثر من عشرين مترجماً، ومعظمهم من اليهود، والمؤلفين في الأدب العبري.

وفي سنة 1859م نشر الشاعر الإنجليزي فيتز جيرالد الرباعيات شعراً، وبهذا الشعر انتشرت الرباعيات في جميع أصقاع العالم، وبدأ الناس يعرفون عمر الخيام، ويرددون شعره حتى راح يتغنى به آلاف الناس في شتى بقاع الأرض؟

وفي الحق: إن من يقرأ أشعار الإنجليزي فيتز جيرالد الرائعة المسبوكة بلغة كأنها السحر، ينجذب على مضمونها، ويسحر بأسلوبها وجمالها كل من يقرؤها.

وأعجب من هذا كله أن هذه الأشعار ترجمت من الإنجليزية إلى معظم لغات العالم، وما رباعيات الخيام العربية المغناة بالعربية، والتركية، والأوردية، والفرنسية، والروسية، وسائر اللغات الأخرى إلا ترجمة لرباعيات فيتزجيرالد، وليس لعمر الخيام الحقيقي يد فيها، ولا معرفة، ولا هو قالها، بل لم تكن تخطر له على بال، وهو بريء منها براءة الذئب من دم ابن يعقوب.

هذا التناقض العجيب بين رباعيات قال فيتز جيرالد إنها منسوبة لعمر الخيام ودراسة موضوعية رصينة لشخصية عمر الخيام تظهر لنا أن في الأمر سراً.

ويكشف العلماء والباحثون السر، ويربطون بين حركة الاستعمار التي قويت واشتدت في القرن الثامن عشر، وما رافقها من حملات تبشيرية (!) وتنصيرية.

زعم المبشرون أنهم وجدوا مخطوطة في جامعة أوكسفورد فيها رباعيات منسوبة إلى رجل يدعى بـ (الخيام) كلها زندقة، ودعوة إلى السكر والعربدة، وسرعان ما ترجمها إلى الإنجليزية اليهودي (توماس ماير) ، ثم تلقفها (فون هامر النمساوي) ونقلها إلى الألمانية حتى إذا حلت سنة 1859 الميلادية وجدنا (فيتزجيرالد) اختار من الرباعيات ما شاء له الهوى، ونقلها بالمعنى شعراءً إلى الإنجليزية، وكانت -كما يقولون- أشعاراً رائعة، وفي غاية الجمال فأعجب بها الناس، وانتقلت من الإنجليزية إلى معظم لغات العالم، حتى إلى الفارسية والعربية، وولد من خلالها شاعر جديد، اسمه: عمر الخيام لا يمت بصلة إلى عمر الخيام الفارسي الأصيل المسلم بصلة إلا بصلة الاسم، لا أكثر.

وربح الاستعمار والمبشرون (!) ربحاً لا نظير له، فلقد أوهموا المشارقة (!) -بخاصة- أن من علمائهم الكبار من ينظم مثل هذه الأشعار، ويشرب هذه الخمور، ويفعل هذه الأفاعيل، إذن، فلا حرج عليهم أن يقلدوا عالمهم، ويتبعوا فلسفته شبراً بشبر، وذراعاً بذراع.

وانطلت الحيلة أو اللعبة على كثير من الناس، فإذا جمهور غفير من المخدوعين يسلك سلوك (خيام فيتزجيرالد) ويتفلت شيئاً فشيئاً من تعاليم الدين، ويغدو في آخر العمر مدمن شراب، مريد شيطان رجيم.

كان أول من نقلها إلى العربية وديع البستاني مترجماً لأشعار فيتزجيرالد، وأعقبه محمد السباعي المصري، ثم العراقي محمد الهاشمي نقلها من الفارسية، ومثله أحمد الصافي النجفي، وجميل صدقي الزهاوي، وأحمد زكي أبو شادي، وتوفيق مفرج.

لكن الطامة الكبرى هي التي ترجمها من الإنجليزية الشاعر المصري أحمد رامي، وكانت ترجمته من الجمال الفني والعبارات المغرية أشبه بترجمة فيتزجيرالد السحرية، وزادها حلاوة أسلوب وقبول عند كثير من دعاة الإلحاد غناء أم كلثوم لها، رغم تبديلها عدداً من الكلمات الأصلية.

وقد يقول قائل: ومن ناظم تلك الرباعيات المصورة المطبوعة، والتي وجدت في أكسفورد، وترجمها ماير وهامر وفيتز جيرالد وسواهم؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت