فهرس الكتاب
والجواب سهل ويسير، فما أكثر دعاة الإلحاد في كل زمان ومكان، وما أكثر الوضاعين والمنتحلين والمختلقين، وهل من العسير أن ينحل الزنادقة والوضاعون والملحدون شعرًا على لسان عمر الخيام وغير الخيام ؟ وهل ننسى ما نحل على لسان الجاهليين، وكم وضع على لسان السموءل شعراً هو منه براء، وكم وضع على لسان الرسول الكريم أحاديث زعموا أنها نبوية، والنبي الكريم منها براء، ولم يسلم من الوضاعين والكذابين شاعر، أو حاكم، أو خليفة، أو نبي، حتى آدم عليه السلام قال شعراً، وأقوالاً وأفعالاً ما أنزل الله بها من سلطان، ولا خطرت على بال، ولا مرت على شفتي إنسان.
فهل ينتبه العقلاء إلى هذه المخاطر، والافتراءات، والأكاذيب على لسان نبينا العظيم، وعلى الشعراء، والحكام، والعلماء، ورجال الدين (!) ، والتاريخ العربي من أوله لآخره، ويدركون ما يحاك لهم هنا وهناك، وما يلبس الأعداء من لبوس؟ ) . انتهى مقال الأستاذ بكري .
ثم اطلعتُ على ما كتبه الباحث الراحل أنور الجندي - رحمه الله - في كتابه"أصالة الفكر الإسلامي في مواجهة التغريب والعَلمانية والتنوير الغربي" ( ص 456-462) عن رباعيات الخيام ، وأظن الأستاذ بكري شيخ أمين قد استفاد منه . وأنا أنقله بطوله لأهميته:
قال - رحمه الله -:
أشعار عمر الخيّام
استطارت شهرة العالم الفلكي الإسلامي عمر الخيام فجأة، بعد أن كان واحداً من العلماء المسلمين في مجال الكشوف الجغرافية، ورصد الكواكب، فأصبح شاعراً خطيراً في مجال الدعوة إلى الخمر والإباحية والانطلاق، وذلك عندما نشر (فيتزجرالد) الشاعر الإنجليزي مجموعة من الشعر الفارسي الملفق عام 1589 نسبها إلى الخيام وقد جند الشاعر الإنجليزي (فيتزجرالد) عشرات من أساتذة الأدب في الجامعات الإنجليزية وفي مقدمتهم (أ.ج. آربرى) لهذه المؤامرة الخبيثة.
ومنذ ذلك الوقت حرصت القوى التغريبية على ترجمتها إلى اللغة العربية، فسلط عليها عدد كبير من الشعراء العرب الذين ترجموها، وفي مقدمتهم البستاني والزهاوي ورامي والصافي النجفي والسباعي وأبوشادي ومحمد الهاشمي.
وأولتها الصحف اهتماماً كبيراً، وقد تبع ذلك اهتمام بالغ وتركيز أشد خطورة على اسم"الخيام"دفعاً لهذا التيار الجديد وتعميقاً له، فصدرت طوابع البريد في مختلف أنحاء أوربا باسمه وصورته، وأنشأت الأندية الليلية الصاخبة تحت لوائه، وكتبوا اسمه على أطراف البطاقات، (كارت بوستال) تعظيماً وتكريماً لقصائد التحلل والمجون المنسوبة إليه.
كشف الزيف:
وقد كان لهذا التيار أثره في التعريف من جديد بالخيام في نظر الشرقيين (عرباً ومسلمين) بوصفه شاعراً ماجناً عربيداً يدعو إلى اللذة، وقد استمر ذلك زمناً طويلاً، قبل أن تكشف الدراسات الأصيلة، والأبحاث العلمية الخالصة من الزيف عن كذب هذه الدعاوى العريضة وفسادها، وتبين أن الخيام لم يكن هو قائل كل هذا الشعر الذي نسب إليه، ولم يكن هو في حياته إنساناً خليعاً ولا داعية إلى إباحية.
فيتزجرالد هل زيف ؟
إن المراجعات الدقيقة التي أجريت منذ اللحظة الأولى كشفت عن أن (فيتزجرالد) حين وصلته المخطوطات الفارسية والهندية لم تكن بالوضوح الذي يمركزها كلها حول عمر الخيام.
وإن هناك أخطاء بالغة في الترجمة، كذلك فإن هناك إشارة واضحة إلى أنه استوحى هذه النصوص ولم يترجمها، كذلك فإن الدكتور (ميلار) نشر مقالاً في جريدة المورننج بوست قال فيها: إن شخصية عمر الخيام محاطة بغلالة من غموض وإيهام، وقد نسجت حوله أساطير غامضة تدعو إلى الشك في وجوده، وجاء ببراهين أنكر فيها نسبة هذا الشعر إلى عمر الخيام.
وأشار الأستاذ (همايون) في مقال له ترجم في مجلة الثقافة 14 مارس 1939 إلى الشك في نسبة هذا الشعر إلى عمر الخيام، وأن عدداً كثيراً من قصائده منسوب إلى شعراء آخرين وكثير منهم أقدم عهداً من عمر الخيام، وهنا تبدو (دهشة) المراجعين لهذا التركيز على عمر الخيام، بينما هناك من شعراء إيران أمثال: حافظ وسعدي والعطار من لم تتهيأ لهم مثل هذه الفرصة.
وبدت الشكوك تتردد حول اتجاه هذه الرباعيات الخمسمائة المنسوبة إلى عمر الخيام وما تحمله من دعوة إلى التغزل بالخمر وحث الناس على تعاطيها والقول بأنها الدواء الناجح لآلام النفس، بينما تكشف حياة عمر الخيام عن شخصية رجل مسلم عميق الإيمان بالله، متصرف بكليته إلى العلوم الفلكية.
ومنذ ذلك الوقت الباكر كانت الإرهاصات كلها تشير بالشك، وأصبح الاتهام حول هذه الرباعيات واضحاً، بل إن واحداً من مترجمي هذه الرباعيات وهو أحمد حامد الصراف كتب تحت عنوان (هل كان عمر الخيام سكيراً) مقالاً في مجلة المقتطف 1925 حاول من خلاله أن يصل إلى مفهوم باطني زائف يختلف عن مفهوم الإسلام في موضوع العقاب والجزاء والمغفرة، والإرادة الجبرية مما تحمله فلسفات الغنوصية القديمة، ولكنه كان شاكاً في نسبة هذا الشعر إلى الخيام.