فهرس الكتاب
كذلك أشار لطفي جمعة (البلاغ 8 مايو) إلى أنه لم يهتد أحد بعد إلى العدد الصحيح لتلك الرباعيات ولم يتأكد أحد من صحة ما هو منسوب منها كذباً إلى الخيام، وقد استمر إلقاء الضوء على هذه الظاهرة سنوات طويلة لم يتوقف.
وقد أشار دكتور محمد موسى هنداوي في محاضرة له ألقاها في مارس 1928 إلى أن الرباعيات تحتوي على كثير من الاختلاف والانتحال، مما يجعل (الخيام) مفترى عليه في تاريخ الأدب.
ذلك العالم الرياضي العاقل المفلسف الحكيم المالك كل مشاعره، خاصة في الرباعية التي تدعو إلى احتساء الخمر وتمجيد الكأس إلى جوار رباعية أخرى فيها الاعتراف بالإله الواحد وفي الالتجاء إليه، فكيف تستقيم النزوة الطائشة بجوار الحكمة السديدة.
إن الذين اتهموا أسرفوا في الاتهام حتى حاكموا الخيام عن رباعيات لم تثبت نسبتها إليه، فضلاً عن التزيد فيما نشروه.
وقد أشار إلى ما أورده (عبدالحق فاضل) في بحثه عن الخيام قوله: ومن الحق علي أن أنبه إلى أمر هو أني لست على يقين من أن هذه الرباعيات التي تقرأ هي رباعيات الخيام حقاً، فما من إنسان يسعه أن يجزم بأن معشار تلك الرباعيات التي تعد بالألوف والتي تكتظ بها النسخ المختلفة هي للخيام حقاً.
وقال الدكتور محمد عبدالهادي أبو ريدة في بحث مستفيض عن الخيام إن هذا العالم الفلكي اشترك في إصلاح التقويم الفارسي، وفي بناء المرصد للسلطان ملكشاه، والذي ترجع شهرته الكبرى عند المؤرخين المعاصرين إلى علو قدمه في الرياضيات وفي كثير من فروع العلم.
لذا نجد تلميذه نظامي يضعه في القسم الخاص بالمنجمين والفلكيين، لا في القسم الخاص بالشعراء، ويضعه البيهقي المؤرخ المعاصر للخيام والذي عرفه شخصياً بأنه الفيلسوف حجة الحق.
وهذان المؤرخان لا يذكران شيئاً يدل على أنه شاعر، فضلاً أن ينسبا إليه شيئاً من الرباعيات المنشورة التي تحمل اسمه.
ولكن بعد أن انقضى على وفاة الخيام أكثر من قرنين، أخذت تظهر مجموعات الرباعيات التي تنسب إليه، وأخذ حجمها يتزايد مع الزمن، وإن كان لم يذكر له قبل ذلك رباعيات ذات محتوى شكي إلحادي.
وإذا صرفنا النظر عما في مجموعات الرباعيات التي ليس لدينا ما يثبت نسبها للخيام إثباتاً يقينياً، لأن كثيراً منها كما بين ذلك تشوكوفسكي في بحث نقدي له عام 1898 حيث ينسب بحجة أقدم أو أحسن أو مساوية إلى شعراء آخرين، فإن ما في المراجع غير المباشرة، من رباعيات تنسب للخيام تدعو إلى الاعتقاد بأن له رباعيات من التي أضيفت إليه فيما بعد.
وهكذا تعددت الكتابات في رد نسبة هذا الشعر إلى الخيام حتى تصل إلى البحث الذي قال ( الكلمة الحاسمة ) في هذا الاتهام ، وهو"كشف اللثام عن رباعيات الخيام"للسيد أبو النصر مبشر الطرازي الحسني والذي يقول إنه لم تكن للخيام رباعيات تزيد على عدة رباعيات يقال إنه أنشأها ترفيها للنفس، وقد زاد عليها المغرضون رباعيات كثيرة، وضعوها أو أخذوها من هنا وهناك، ونسبوها إليه، هذه الرباعيات المتنكرة المخزية ليست من نظم عمر الخيام، لأنها لا تتفق ومكانته العلمية.
ويعجب السيد الطرازي (رحمه الله) كيف يعرف عمر الخيام لا عن طريق مكانته العلمية الحقة، وإنما عن طريق رباعيات مزعومة، عبروا عنها برباعيات الخيام ووصفوها بأنها فلسفة الخيام، فمنهم من قال إنه (أبيقوري النزعة والميول) ، ومنهم من سماه وايلد الشرق (نسبة إلى أوسكار وايلد الكاتب الجانح) ومنهم من ذهب إلى أنه معري المذهب، ومنهم من رأى أنه إباحي وأنه مستهزئ بأحكام الدين.
كما طعن فيه البعض بأنه (دهري) وزعم البعض أنه تناسخي وظن بعض أنه باطني، ولا أدري أو تشاؤمي، وجبري ، وادعى آخر أنه ثائر على كل شيء، على الدين وعلى الأخلاق وعلى العقل أيضاً.
وليس لهم دليل على ذلك إلا تلك الرباعيات التي نسبت إلى شخصه، وظنوا أنها من الحكيم عمر الخيام النيسابوري ومقولاته وآثاره.
ولقد كان عليهم أن يعرفوا الحكيم النيسابوري تحت ضوء الفحص العلمي الصحيح، والنقد التاريخي الموثوق معتمدين على آثاره ومقولاته.
ويصل السيد الطرازي إلى القول بانتحال تلك الرباعيات بدلائل كثيرة ولا سيما التناقض بين معانيها واتجاهاتها ، ويعجب أن يعرب عمر الخيام في ضوء رباعيات مترجمة على يد شاعر إنجليزي هو (إدوارد فيتزجرالد) تلك الترجمة التي قام بها عام 1856 ونشرها في الغرب على أوسع نطاق، وقد انساق المسلمون وراء تلك الفلسفة المزعومة والخداعة، وتأثروا بما فيها من المعاني المثيرة والاتجاهات المغرية والتحليلات الباطلة.
وكشف الباحث ما وراء هذه من هدف حين قال: إن أوائل الغربيين الذين اهتموا بالرباعيات إنما كانت تدفعهم فكرة استمعارية معتمدين في ذلك على محض مصادفة ساقها القدر وقد خدمهم المستشرق فيتزجرالد الذي تلقى الإشارة من قبل السادة الإنجليز.
ويقول دكتور محمد موسى هنداوي: أنا مع الطرازي في أن الاستعمار لا يترك وسيلة إلا استخدمها ولا سلاحاً إلا استعمله.