فهرس الكتاب

الصفحة 18564 من 27364

وكنتيجة لهذه السّياسة القاسية, فإن الضّعيف والذين فقدوا الصّراع من أجل البقاء سيُزِيلُونَ, ونتيجة للزّيادة السّريعة في السكّان فسيكون هناك توازن في الخارج . وما يسمى بسياسة"اضطهاد الفقر"، والذي نُفذ فعلياً في القرن التاسع عشر في بريطانيا. وأنشئ النظام الصناعيّ الّذي جعل أطفال الثّمانة والتاسعة يعملون ستّة عشر ساعة في اليوم في مناجم الفحم، والآلاف منهم ماتوا في ظّروف قاسية . فبسبب نظريّة مالثس، أدّى"الصّراع من أجل البقاء"، الملايين من البريطانيّين أن يعيشوا حياة مليئة بالمعاناة.

وقد تأثّر داروين بهذه الأفكار, فعمم هذا الصراع على كلّ الطبيعة, و اقترح أن الأصلح والأقوى ظهر منتصراً من حرب الوجود هذه . علاوة على ذلك, ادّعى أن ما يسمّى بالصّراع من أجل البقاء كانت مبررة لقانون الطبيعة الثابت . من ناحية أخرى, دعا النّاس لترك معتقداتهم الدّينيّة بإنكار الخلق, ولهذا استهدف كلّ القيم الأخلاقيّة التي يمكن أن تكون عقبةً لهذه الوحشية:"الصّراع من أجل البقاء". وبنشر هذه الأفكار الضالة التي جعلت الأفراد قاسيين وبلا رحمة, كلّفت البشريّة قيمة عالية في القرن العشرين .

دور الدّاروينيّة في التهيئة الأساسية للحرب العالميّة الأولى:

عندما سيطرت الدّاروينيّة على الثّقافة الأوربّيّة, بدأت آثار"الصّراع من أجل البقاء"في الظّهور . فبدأت ـ خاصة ـ الدّول الأوربّيّة الاستعماريّة في تصوير الدّول التي استعمروها كـ"دول نامية ارتقائيّة"واعتمدوا على الدّاروينيّة لتبرير ذلك.

وكان الأثر السّياسيّ الأكثر دمويّة للدّاروينيّة هو نشوب الحرب العالميّة الأولى في عام 1914 م.

يشرح الأستاذ المؤرخ البريطانيّ المعروف جيمس في كتابه"أوروبّا منذ 1870", أن أحد العوامل التي هيئت الأرضية للحرب العالميّة الأولى كان إيمان الحكّام الأوربّيّين في ذاك الوقت بالدّاروينيّة. فعلى سبيل المثال، رئيس أركان أوسترو-هنجريا , كتب في مذكّراته ما بعد الحرب:

إن الدّيانات الإنسانية, والتّعاليم الأخلاقيّة، والمذاهب الفلسفيّة قد تؤدي أحيانًا إلى إضعاف صراع بقاء البشريّة في شكلها القاسي، لكنهم لن ينجحوا في إزالته كمحرك محفز للعالم، إنه يتوافق مع هذا المبدأ العظيم، أن كارثة الحرب العالميّة حدثت كنتيجة للقوى المحفزة في حياة الدول والشّعوب, كالعاصفة الرعديّة التي يجب أن تفرغ شحناتها بذاتها. [4]

بهذا الأساس الأيديولوجيّ, فليس من الصعوبة فهم لماذا كونرد, كان ينبغي عليه أن يشجّع إمبراطوريّة أوسترو- هنجريان لتعلن الحرب . كانت مثل هذه الأفكار في ذاك الوقت ليست محصورة على القوّات المسلّحة. ففي عام 1914م كتب كورت ريزلر, السّكرتير الخاصّ لفون ثيوبالد وصديق المستشار الألمانيّ بيثمان-هوللويج,: العداوة الأبديّة المطلقة ملازمة أساسًا للعلاقات بين الشعوب, و العداء الذي نلاحظه في كلّ مكان ليس نتيجة لفساد الطبيعة الإنسانية ولكنّه جوهر العالم و منبع الحياة نفسه [5] .

وعمل جنرال الحرب العالميّة الأولى، بيرناردي فون فريدريش, علاقةً متشابهةً بين الحرب و قوانين الحرب في الطّبيعة . إذ أعلن بيرناردي أنّ الحرب حاجة بيولوجيّة, وإنّها بمثل ضرورة صراع عناصر الطبيعة, وبما أن قراراته تستند على طبيعة الأشياء ، فإنه فقط يعطي قرارًا بيولوجيًّا. [6]

وكما رأينا, اندلعت الحرب العالميّة الأولى بسبب أن المفكّرين الأوربّيّين، والجنرالات والمسؤولين الذين شاهدوا الحرب, وإراقة الدّماء، والمعاناة اعتبروا ذلك نوع من"التطور", و اعتقدوا أنهم لم يغيروا"قانون الطبيعة". فالأصل الأيديولوجيّ الذي جرّ كلّ ذلك الجيل إلى الدّمار لم تكن سوء مفاهيم داروين للصّراع من أجل الحياة والسلالات المفضلة .

وخلفت الحرب العالميّة الأولى ثمانية ملايين قتيلاً, ومئات من المدن المدمّرة، وملايين من الجرحى, والمقعدين, والمشردين، والعاطلين . والسّبب الرئيسي للحرب العالميّة الثّانية والتي اندلعت بعد 21 سنة وخلفت 55 مليوناً قتيلاً, كان أيضًا مبنياً على أساس الدّاروينيّة .

ثمرة"قانون الغابة": الفاشيّة:

في القرن التاسع عشر غذت النّازيّة الدّاروينيّة العنصريّة, وشكّلت القاعدة الإيديولوجيّة التي ستطوّر وتغرّق العالم في مستنقع من الدّم خلال قرن العشرين .

فالنفوذ الدّاروينيّ القويّ يمكن أن يُرَى في الأيديولوجيّين النّازيّين . فعندما يدرس أحدٌ هذه النّظريّة ـ والتي أُعْطِيَتْ الشكل من قبل أدولف هتلر و ألفريد روزنبرج ـ يصادف مثل هذه المفاهيم كالتّكيّف الطّبيعيّ, واختار التّزاوج, و الصّراع بين السلالات من أجل البقاء. وهتلر عندما سمى كتابه ( كفاحي ) , والذي يتكلّم عن الصّراع خصوصًا بين السلالات، كان ملهمًا بالصراع الدّاروينيّ من أجل البقاء ، و مبدأ أن النّصر للأصلح: في الألفيّة الجديدة سيبلغ التاريخ الذروة في روعة فريدة للإمبراطوريّة, وذلك على أساس سلسلة عرقية جديدة. [7]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت