إن نيوتن باستناده على قانون الجاذبية في تفسير ظواهر الكون، دون تفسير ماهية الجاذبية نفسها، يعبر بوضوح عن ذلك التحول الذي سبق أن أشرنا إليه، بخصوص مفهوم العلم، أي انتقاله من"الماهية"إلى"العلاقة"، كما يعبر عن النزوع الوضعي المؤكد على أن استبعاد"الماهية"لا يعني استبعاد إمكانية المعرفة والعلم، بل إن هذه الإمكانية ترتهن أصلا بهذا الاستبعاد ؛ لأنه بذلك يتم حفظ طاقة العقل من الاستنفاد والاستهلاك في دهاليز الماورائيات. ومن ثم يكون المنهج النيوتوني إرهاصا بالموقف والنهج الوضعي الذي سيلتمع لاحقا في القرن ال ،19 أي ذلك النزوع إلى وصف ظواهر الكون بوصل بعضها ببعض، لا تفسيرها بردها إلى أصول وعلل كلية. وهذا ما نجد لايبنز في القرن ال 18 ينتبه إليه، فيصف النظرية النيوتونية بكونها تقوم على"فرضية كسولة"؛ لأنها يقول لايبنز هادمة"لفلسفتنا التي تبحث عن العلل المعقولة والحكمة الإلهية التي تصدرها".
ويرى كونت أن البشرية أفادت من استبعاد المنهج الفلسفي، واستقلال الحقول العلمية (الرياضيات، الفيزياء، البيولوجيا) عن إطار الفلسفة، وتخطي أسلوبها في التفكير والمقاربة المتسمة بالتجريد والقياسات المنطقية، وطلب الماهيات. ولكن اكتمال المرحلة الوضعية يتطلب تمديد المنهج العلمي، ليشمل المجال الإنساني أيضا، ومن هنا فضرورة السوسيولوجيا التي أسماها كونت أولا بالفيزياء الاجتماعية هي ضرورة تاريخية، إذ بها يكتمل للبشرية الانتقال إلى المرحلة الوضعية.
ومع تأسيس علم الاجتماع، لن يتبقى للفلسفة موضوع يسوغ وجودها سوى التنسيق بين مختلف التخصصات العلمية، ذلك لأن العلوم في لحظتها الوضعية تستشعر نقصا يتمثل في جذرية انفصال بعضها عن بعض، بفعل الإغراق في التخصص، الأمر الذي يستوجب حضور الفلسفة، لكن ليس بطابعها وميسمها المنهجي الشمولي التقليدي وانشغالاتها الماورائية، بل حضورها يكون محدودا بمهمة جديدة ومتواضعة، هي التنسيق بين مختلف التخصصات العلمية، ومن ثم لن يكون في المرحلة الوضعية وجود للفلسفة، هكذا بإطلاق، بل فقط وجود ل"فلسفة العلوم".
لكن هل تحقق حلم أوجست كونت بانتقال البشرية إلى الوضعية وقطيعتها مع المرحلتين السابقتين؟ ألا يتعارض موقف أوجست كونت مع حقيقة الكائن الانساني وفطرته الدينية؟ أليس الموقف المعرفي الذي عبر عنه كونت مجرد نزوع علموي متطرف؟!
أسئلة نؤجل بحثها إلى المداخلة المقبلة، إن شاء الله.
من المفهوم أن تندرج الفلسفة الوضعية لأوجست كونت ضمن الفلسفات العلموية التي لها نزوع نحو تقدير العلم إلى درجة التقديس والتوثين، فقد جاءت في زمن الصناعة وهيمنة النموذج العلمي. وضمن هذا المناخ المعجب بالعلم والمنبهر بمنتجاته تبلور الموقف الفلسفي لأوجست كونت حتى خلص به الأمر إلى أن يقدم رؤية فلسفية للتاريخ الإنساني تقوم على وجود قانون تطوري"حتمي"يتمثل في ما سماه بقانون المراحل الثلاث (المرحلة اللاهوتية المرحلة الميتافيزيقية - المرحلة الوضعية) .
ففي المرحلة اللاهوتية كان الوعي البشري، حسب كونت، في لحظة طفولته، لذا كان له اعتقاد بأن الطبيعة تسيرها كائنات مفارقة. ثم انتقل الوعي البشري وترقى إلى المرحلة الميتافيزيقية الفلسفية وفيها لم تعد الطبيعة تفسر بعوامل مفارقة بل محايثة هي الماهيات والجواهر.
وهنا يرى كونت أن الوعي البشري انتهج منهج العقل/ اللوغوس بدل الخيال الذي كان آلية التفكير المهيمنة في المرحلة السابقة.
لكن هذه المرحلة الميتافيزيقية هي أيضا لحظة واطئة في سلم التطور الثقافي الإنساني، حيث ستنتقل البشرية إلى اللحظة الثالثة التي هي:
المرحلة الوضعية، التي يصل فيها الوعي البشري إلى لحظة نضوجه، وعلامة هذا النضج هو كون الوعي أخذ يفسر الطبيعة وظواهرها تفسيرا علميا يتأسس على ملاحظة العلاقات الناظمة بين الظواهر.
هذا باختصار هو قانون الحالات الثلاث كما بلوره كونت، فما هي درجة صدقيته وتطابقه مع لحظات تطور تاريخ الإنسان؟ وما مدى صدقية تصوره القائل بأن الاعتقاد الديني هو لحظة قابلة للتجاوز في الصيرورة التاريخية للفكر الإنساني؟
من الملاحظات التي استوقفت علماء الأنثربولوجيا وكذا دارسي تاريخ الأديان أن الاعتقاد الديني أمر لصيق بالكائن الإنساني. وهذا ما تجسده المقولة الشهيرة المنسوبة إلى المؤرخ الإغريقى بلوتارك:"لقد وجدت في التاريخ مدناً بلا حصون، ومدناً بلا قصور.. ومدناً بلا مدارس.. ولكن لم توجد أبداً مدن بلا معابد"، فأمام استقراء واقع الحضارات وأنساقها الثقافية لوحظ هذا الحضور الدائم للتدين بطقسه ومفاهيمه، الأمر الذي دفع البعض إلى التساؤل: لماذا تدين الإنسان؟ ما سبب هذا التلازم بين وجود الإنسان وتدينه؟