فهرس الكتاب

الصفحة 18649 من 27364

أولا: إن تعليل ظاهرة الاعتقاد الديني عند كونت تعليل أراه قاصرا،لأنه جعل وجود هذا الاعتقاد مشروطا بمرحلة، بينما هو مسألة محورية في التفكير والوجدان الإنساني . فالكائن البشري كائن متسائل،يستفهم عن سبب وجوده وكينونته وسبب وجود هذا الكون من حوله. وهو استفهام فطري نجده لصيقاً بالإنسان كيفما كان مستواه المعرفي. فأسئلة أصل الوجود الكبرى مثلما يطرحها الفيلسوف يطرحها الطفل الصغير أيضا، الأمر الذي يؤكد أنها لصيقة بالطبيعة الإنسانية ولا يمكن تخطيها وتجاوزها. ولذا، فالخطأ الأكبر الذي وقع فيه أوجست كونت هو النظر إلى هذه الحالات الثلاث بوصفها لحظات تتابع تقطع كل لحظة تالية مع سابقتها، وهو بذلك لم يدرك أنها تدل على أبعاد أنطلوجية في كينونة الإنسان ونفسيته فضلا عن تجربته الثقافية. إنها ليست لحظات تطور للوعي البشري بل هي أبعاد تكون"ماهية"هذا الوعي وطبيعته. فالنزوع الديني ليس نقصا في فهم الطبيعة حتى يتم تخطيه بتحصيل الفهم العلمي الوضعي، بل إن السؤال الديني هو أكبر وأوسع وأعمق من أن يجاب من قبل الحقل المعرفي العلمي.

فالسؤال الديني من الناحية الابستملوجية لا يمكن نفيه من مدخل المعالجة العلمية التجريبية، وذلك لأن سؤال العلم هو سؤال كيفي جزئي، بينما السؤال الديني هو سؤال تعليلي غائي كلي.. فالعلم يكشف لنا عن انتظام العالم وتعالقات ظواهره، وأسبابها، لكنه بتحديده لأسباب الظواهر الكونية ليس بإمكانه أن ينفي وجود مسبب لهذه الأسباب. فالسؤال عن الخالق لا يمكن نفيه بواسطة العلم، بل إن التفكير العلمي يدفع نحو توكيد وجود الخالق بما يستكشفه كل يوم من مساحات هذا الكون. والانتقال من وجود الكون إلى الاستدلال عن خالقه هي نقلة مبررة عقلانيا، لأنها تقوم على عملية استنتاجية مبررة. والمزلق الكبير الذي وقع فيه أوجست كونت يتمثل في اعتقاده أن تفسير ظواهر الكون يلغي طلب تعليل الكون ذاته .في حين أن تفسير الكون بالكشف عن العلاقات الناظمة بين ظواهره يزيد من معقولية الإجابة الدينية، ويفضح زيف الإجابة الإلحادية.

ثم إن هذا الفارق الجوهري في طبيعة السؤال الذي يشتغل به العلم، أي سؤال الكيف يفضح كل مسلك لإلغاء الدين والاكتفاء بالإجابة العلمية، لأن الإجابة العلمية لا تسد حاجة الفهم الأنطلوجي، أي الحاجة إلى فهم لم وجد الوجود ابتداء؛ بل إن منتهى ما تصل إليه الإجابة العلمية هو سد الحاجة إلى فهم كيفية تعالق مكونات الوجود وانتظامها،لا تعليل سبب وجود هذه المكونات ابتداء. ومن ثم فالقول بالاكتفاء بالإجابة العلمية واستبعاد الدين هو مسلك مغرض يزيف حقيقة السؤال الديني.

ثم ثانياً: إن قانون الحالات الثلاث يكذبه واقع الاستقراء التاريخي، فالبشرية لم تنتقل من المرحلة الدينية إلى الفلسفية ثم العلمية، فحتى لو استحضرنا التاريخ الأورربي، الذي اعتمده كونت دليلا على نظريته، سنلاحظ أن المرحلة الفلسفية / الميتافيزيقية (مع اليونان) جاءت بعدها ألف سنة من القرون الوسطى كانت دينية! فكيف نقول بالانتقال المرحلي داخل تاريخ الإنسانية؟

وثالثا: إن المرحلة الوضعية بنهجها العلمي التي يزعم كونت أنها جاءت لاحقة لكل ما سبق هي أيضا مشكوك فيها. فالتفكير بمدلوله العلمي لم يولد مع ميلاد المنهج التجريبي في القرن السابع عشر ولا ولد مع ميلاد المنهج الرياضي من قبل، بل ثمة دراسات معاصرة على قدر كبير من الوجاهة الأبستمولوجية تؤكد أن قواعد التفكير العلمي موجودة حتى عند الإنسان البدائي، إذ لم يكن يفتقر إلى القدرة على التفكير العلمي ولا الاشتغال بمنهجيته، بقدر ما كان يفتقر إلى التراكم المعرفي . وهذا واضح في أعمال موسكوفيسي وخاصة في تحليله الرائع لتقنية إشعال النار عند الإنسان البدائي.الأمر الذي يؤكد أن التفكير العلمي والديني والفلسفي ليس أنماط تفكير مشدودة إلى صيرورة لحظات تطورية كل لاحق منها يلغي سابقه، بل الأمر أعمق من هذا، فليس الأمر صيرورة تاريخية تتسم بالقطائع ومحكومة بآلية التجاوز بل الأمر أشبه ما يكون بهيمنة لنمط في التفكير في لحظة أو عصر من العصور. فقد يهيمن التفكير الديني في عصر ما، وقد يهيمن التفكير العلمي في عصر آخر، لكن دون أن يعني أن هيمنة هذا النمط يؤدي إلى زوال نمط التفكير الديني وانتفائه.

ثم رابعاً، واستمرارا في انتهاج منهج الاستقراء، نرى أن التاريخ في سياق تطوره، لم يؤكد نبوءة أوجست كونت فالمرحلة الوضعية التي أعلن عن ميلادها واكتمال نموها بتأسيسه للسوسيولوجيا في القرن ال 19 لم تستطع إنهاء الاحتياج إلى الاعتقاد الديني.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت