فهرس الكتاب

الصفحة 18663 من 27364

العلم بالحكْمِ الشَرْعيِّ إذا كان عالمًا مجتهدًا فَهَذَا كَمَا قُلْنَا قدْ يَجْتَهِدُ وقد يختلفُ العلماء منذُ السَّلفِ وهذِهِ ليسَتْ جَدِيدة، مَا عِنْدَنَا اليوم مسْألة جديدةٌ لَمْ نَتَكَلَّمْ عَنْهَا فيما سَبَقَ، إذًا مَا الذي يقع أحيانًا في تغير الفَتوى مع تَغَيُّر الزَّمَان وَالمكَانِ؟ هُوَ تغير الوَاقِعَة، الحكم الشَّرعيُّ لَا يَتَغَيَّرُ.

مثَالٌ: الكَلَام في الغِنَاءِ والمَعَازِفِ علَى قول أكْثَرِ العلماء أنَّه حَرَامٌ وهناك قَول أنَّهُ مبَاحٌ ولكنَّهُ مرجُوحٌ واضحُ الخِلَاف، متى كان هذا الاخْتِلَاف؟ قبل مئات السِّنين إذ لا يأتي شخص ويقول أنَّهُ اسْتَجَدَّ الخِلَاف هذا خلاف قديم، إذًا القول الراجح بأدِلَّتِهِ أنَّ الغناء والمعازف حرَام هذا القول الراجحُ، هل هذا الحكم يمكنُ أنْ يَتَغَيَّرَ؟

وَمِثَالٌ على علمائكمْ، ومشايخكمْ، الذين لا يَفْهَمُونَ، وَلَا يفْقَهون وأنَّهمْ يشَدِّدون ثم يتبينُ بعد ذلك الحق ويتراجَعُونَ: لَمَّا دَخَلَ الراديو قبل خمسين سنَة أَفْتَوا بِأَنَّ الرَّاديو حَرام ثم مَا مَضَى عُشرون سنة إلَّا والمَشَايِخُ يأتُونَ بالرَّاديو، يَعْنِي تَغَيَّرَتْ الفَتْوَى، كَانَ حرامًا ثم أصبح حَلَالًا.

نقول في الجواب على هَذَا: الفَتْوَى لَمْ تَتَغَيَّرْ، لَمْ يقُولوا المعازف حَلَال، والغناءَ حَلال ولَكَنَّ الذي تغير الرَّاديو، أوَّل مَا نَشَأَ قبل خمسين سنَة كَان الراديو يساوي الموسيقى لا يوجد به قرآنٌ، ولقد عَاشَرْنَا بِدَايَاتَهُ، فأي إنسان كان عنده راديو مَعْنَاه إنسان يسمع أغاني، من كان عنده رَاديو لا يسمع منه إلا الأغاني أي إذَاعة تبحثها ما فيها إلا أغاني حتى وإنْ كان فيه أخْبَار خمس دقائق ثمَّ يَتَّبعُهَا أَغَانِي، فَمَنَعُوا من ذلك بأنَّ هذا الراديو لا يستخدم إلا لِسَمَاعِ الأغاني، فلَمَّا تغير الأمرُ وصارت هذه الآلة يمكن أنْ نَسْتَخْدِمَ بِهَا إذَاعَةً سَلِيمَةً، وآلة التسجيل يمكن أنْ نُسَجِّلَ بهَا تسجيلًا سليمًا تَغَيَّرَتْ الفَتْوَى.

إذًا تَغَيَّرَ الحكمُ الشرعيُّ؟! أمْ تَغَيَّرَتِ الوَاقعة؟! بلْ تَغَيَّرَتِ الوَاقِعَةُ.

مثِاَل آخر - وكثيرًا ما يُدَنْدِنُ حَولَه بعض الكُتَّاب وأنا أضْرِبه حتى تَتَّضِحَ الصُّورَة- قَالوا: لَمَّا جَاءَ تَعْلِيمُ البَنَات كثيرٌ من المشايخ قالوا: حَرَامٌ! وَمَنَعوا من ذلك، ثم بعد ذلك تَغَيَّرَتْ فَتْوَاهم وصاروا يُدْخِلُونَ بَنَاتهم في مدارس البَنَات والحقيقة ليست الصورة هكذا، لَمَّا جاءت بدايات قرارِ إنشَاء تَعْليم البَنَاتِ لَمْ يكُنْ بالعالم العربيِّ إلا تعليم مختلط مُدَبْلَجٌ، لَمْ يكُنْ عندنا في القرى إلا تعليم في البيوت عَجَائز يعلمنَ النِّسَاء بالبيت أحيانًا الخط، والكتابة، وَأَحيانًا آيات من القرآن الكريم هذا النوع الذي كان موجودًا آنذاك.

وَكَانَ في البحرين والكويت، وَمِصرَ وغيرها متَبَرِّجَاتٌ؛ وَلِذَلِكَ العلَمَاءُ وَقَفُوا، وَقَالوا: لَا يمكنُ وَشَدَّوا في ذَلِكَ وَفَّقَهُمُ الله فَكَانَ مِنْ بَرَكَاتِ هَذَا الشَدِّ أنَّه فُتِحَتِ المدارس بأقصى ما يكون من الشروط والبيوت التي ما زال إلى الآن نُشَاهد والحمد لله أَثَرَهَا الطيبَ.

فلمَّا تَبَيَّنَ أنَّ هناكَ تَعليمٌ منضبطٌ لا يكون فيه مِثْل تلك الفَوضَى الموجُودة في البلاد إذًا المشايخ رَأَوا أنَّ الأمر قد يكون صَائغًا، إذًا ما الذي تغير؟

الذي مَنَعُوا منه في البداية هو صور التَّعليم المخْتَلِطِ وَلَا يَزَالُ إلى الآن صور التعليم المختلط إلى الآن مرفوضَةً، وما قَام به طلبة العلم وغيرهم من الوقوف أمام الدَّمْجِ؛ خَوفًا من التعليم المخْتَلِطِ حيثُ لا يُهِمُّهُمُ الميزانِيَّاتُ أو المباني أو غير ذلك، كلُّ هذه الأمور لَا تُسَاوي عنْدَ المشَايخ قُلَامة ظُفْرٍ، لكنَّ الذي كان يقلقُهُمْ هو أنَّ هذا التغير وهذا الدَّمْج يؤدي إلى ما كان يحلم به كثير من العلمانيينَ، يجلس الطالب جَنْبَ الفَتَاة.

ضَوَابِط المُتَغَيرَات

وعلى هذا يَتبَيَّنُ لدينا أنَّ هذه المتغيراتُ عنْدَنَا تُضْبَطُ بِضَابِطَينِ دَقِيقَينِ أَعْنِي بِهِمَا الأحكام الشَّرْعيَّ:

أولًا: مَصْدَرِيَّةُ الكتاب والسُّنَّة هذه دائمًا كالشمس، والقَمَر فوق رؤوسنا لا يمكن أنْ نَتَخَلَّى عنهُمَا، يعني: أَيَّ حكم أو أي قضِيَّة شرعية مَرَدُّهَا الكتاب والسُّنَّة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت