وإذا سألتم عن أبي ، فأبي لهُ *** رسمٌ على بوابةِ السفراتِ
أرخى زمامي ثُمَّ راحَ يلُومني *** ويُهينني بقوارعِ الكلماتِ
أنا يا أبي الغالي ضحيةُ ثروةٍ *** فَتحت لقلبي أسوأَ الصفحاتِ
أغرقتني فيها وما راقبتَني *** وتركتنِي كالصيدِ في الفلواتِ
كم كُنتُ أبحثُ عنكَ يا أبتي فما *** ألقاكَ إلاَّ تائهُ النظراتِ
هلاَّ أبيتَ عليَّ أن أمشي إلى *** حتفي وأن أسعى إلى صبواتي
أرسلتَنِي للغربِ يا أبتي ولم *** تُشفق على عقلِي من السكراتِ
أنسيتَ أنَّ الغربَ سرُّ شقائنا *** وإليهِ تُنسبُ أبشعُ الآفاتِ
فيا أيها الآباء والأولياء: الله الله في رعاية الأبناء ومن تحت أيديكم من النساء قال تعالى: ( يا أيها الذين قوا أنفسكم وأهاليكم ناراً ) ، واعلموا انهم أمانة عندكم سوف تسألون عنها ، يقولُ صلى الله عليه وسلم (( كُلُكُم راعٍ ومسؤولٌ عن رعيتهِ، فالإمامُ راعٍ ومسؤولٌ عن رعيتهِ، والرجلُ راعٍ في أهلهِ ومسؤولٌ عن رعيتهِ، والمرأةُ في بيتِ زوجها راعيةً ومسؤولةً عن رعيتها ) )رواهُ البخاري ومسلم. ويقو صلى الله عليه وسلم: (( كفى بالمرءِ إثماً أن يُضيِّعَ من يقوت ) )رواهُ أبو داود ، وقا صلى الله عليه وسلم: (( إنَّ الله سائلٌ كلُّ راعِ عمَّا استرعاهُ الله، حفظَ أم ضيَّعَ حتى يُسألَ الرجلُ عن أهلِ بيتهِ ) )رواهُ ابن حبان، وحسنهُ الألباني، فأعد للسؤالِ جواباً وللجوابِ صوابا .
ألا وإن من البلايا - عباد الله - ما أحدث في بعض الأماكن والمصايف من أمور منكرة كحفلات الأغاني الساهرة التي يجلب لها الفنانون والفنانات وتعد لها المسارح الكبيرة... تلك الحفلات والمهرجانات والمناسبات التي عمودها الغناء وآلات المعازف وخيمتها الغفلة عن ذكر الله جل وعلا، والغناء - يا عباد الله - من المحرمات التي استهان بها كثير من الناس إلا من عصم الله قال الله تعالى: ( ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزواً أولئك لهم عذاب مهين * وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبراً كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقراً فبشرهه بعذاب أليم ) قال أكثر المفسرين: المراد بلهو الحديث في هذه الآية الغناء ، ويحلف الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود ( بالله الذي لا إله إلا هو - ثلاث مرات - إنه الغناء ، وكذا قالَ ابنُ عباس، وجابرُ، وعكرمةُ، وسعيد بنُ جبير، ومجاهدٌ ومكحول وغيرهم،(تفسير ابن كثير 3/703) .
قال الإمام أحمد: الغناء ينبت النفاق في القلب فلا يعجبني، وقال الفضيل بن عياض: الغناء رقية الزنا واستماع الأغاني والمعازف سبب لأنواع العقوبات في الدنيا والآخرة . قال ابن القيم:"والذي شاهدناه نحن وغيرنا وعرفناه بالتجارُب أنه ما ظهرت المعازف وآلات اللهو في قوم وفشت فيهم واشتغلوا بها إلا سلط الله عليهم العدو ، وبُلو بالقحط والجدب ، وولاة السوء"آهـ .
فتجنب - أخي المسلم - وجنب مَنْ تحت ولا يتك مواقعَ اللهوِ والفسوقِ والعصيان، كالحفلاتِ الغنائيةِ، والتجمُعاتِ المختلطة، فإنَّ اللهَ يُمهِلُ ولا يُهمل، وإنَّ اللهَ يَغَارُ وغيرتَهُ أن تُنتَهكَ حُرمَتَهُ، يقولُ صلى الله عليه وسلم: (( في هذه الأمةِ خسفٌ ومسخٌ وقذف"فقالَ رجلٌ من المُسلمين: يا رسولَ اللهِ ومتى ذاك ؟ قال: إذا ظهرت القِيناتِ والمعازفِ، وشُربت الخُمور ) )رواهُ الترمذي وصححهُ الألباني، فلا تأمن من مكرِ اللهِ تعالى، ولا يأمن من مكرِ اللهِ إلاَّ القومُ الخاسرون ."
وفي السُنةِ النبويةِ تأكيدٌ على حُرمةِ الغناء، ففي صحيحِ البخاري عن أبي مالك الأشعري ( أنه سمع صلى الله عليه وسلم يقول:(( ليكُوننَّ من أمتي قومٌ يستحلونَ الحِرَ والحريرِ والخمرِ والمعازف ) ). وتأملوا كيفَ جُمعَ تحريمُ الغناءِ والمعازفِ مع تحريمِ الفروج، والحريرِ والخمر؟ وما فتئَ علماءُ الأمةِ الربانيون يُحذِرُونَ من فتنةِ وعبوديةِ الشهوات.
يقولُ الشافعي - رحمه الله: (من لزمَ الشهواتِ لزمتهُ عبوديةُ أبناءِ الدنيا) (سير أعلام النبلاء 10/97) . ويقولُ ابنُ تيميةَ - رحمهُ الله: (والعشقُ والشهواتُ إنَّما يُبتلى به أهلُ الإعراضِ عن الإخلاصِ لله، الذين فِيهم نوعٌ من الشركِ، وإلاَّ فأهلُ الإخلاصِ كما قال تعالى في حقِّ يوسفَ- عليه السلام-:(( كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالفَحْشَاء إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا المُخْلصِينَ ) ) (سورة يوسف:24) (الفتاوى 15/421) .
وأخيراً أحذر أخي المسلم، أختي المسلمة أن نكونَ ممن قالَ اللهُ فيهم: (( فَخَلفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلقَوْنَ غَيًّا ) ) (سورة مريم:59) .
الخطبة الثانية:
الحمد لله وكفى سمع الله لمن دعا والصلاة والسلام على النبى المجتبى وآله وصحبه وعلى مَنْ على منهاجهم اقتفى , وبعد فاتقوا الله عباد الله حق التقوى وتمسكوا من الإسلام بالعروة الوثقى.