ولا أحد يصل إلى منزلة هذا الفريق المستقيم الملتزم بالإسلام الذي يعتز به ويصرح باعتزازه به، كما قال تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنْ الْمُسْلِمِينَ} [فصلت (33) ]
هذا هو دأب هذا الفريق وموقفه لا يحيد عنه ولا يميل.
وهذا الفريق صنفان:
الصنف الأول: قد يبتلى بالأذى الشديد في نفسه وماله وعرضه، ليكفر بدينه ويعود عنه إلى غيره من الكفر.
وهو قوي الإيمان شديد التحمل والصبر في ذات الله، فلا يستجيب لمن آذاه وعذبه ولو أدى ذلك إلى قتله وإزهاق روحه، مع أن الله قد أذن له في اتقاء شر عدوه بإظهار موافقته في الظاهر مع ثبات قلبه على إيمانه في الواقع، كما قال تعالى في أمثاله:
{لا يَتَّخِذْ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنْ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمْ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ} [آل عمران (28) ]
ومن هؤلاء بلال بن أرباح رضي الله عنه الذي اشتد عليه أذى المشركين، فتحمل الأذى الذي لم يزده إلا ثباتا على دينه، فلم يجدوا منه إلا قوله:"أحد أحد"وكذا سمية أم عمار بن ياسر رضي الله عنهما التي ثبتت على دينها ولم ترجع حتى قتلها أبو جهل لعنه الله.
الصنف الثاني: لا قدرة له على الصبر على شدة الأذى وتكرره عليه، ومن هذا الصنف عمار بن ياسر رضي الله عنه الذي أظهر للكفار الذين عذبوه ما أرادوا من سب الرسو صلى الله عليه وسلم وسب الإسلام مع ثبات قلبه على الإيمان.
وفي أمثاله نزل قول الله تعالى:
{مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنْ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [النحل (106) ]
هذا هو الفريق الأول من الفريقين الصريحين في موقفهما.
الفريق الثاني الصريح في موقفه من الإيمان: فريق الكافرين بالإسلام الذين يجاهرون بكفرهم به، سواء كانوا وثنيين، كمشركي قريش ومشركي الهندوس ومشركي البوذيين ومن شابههم، ممن يعبدون الأصنام والأوثان، أو كانوا في الأصل على الإسلام مؤمنين بكتب سماوية مثل التوراة التي نزلت إلى موسى و الإنجيل الذي نزل على عيسى صلى الله عليهما وعلى جميع رسل الله تعالى، ثم كتموا ما في كتبهم من البشارة بالرسو صلى الله عليه وسلم ووجوب الإيمان به وبما جاء به من الإسلام، أو حرفوا تلك الكتب تحريفا أخرجها من أن تكون هي الكتب المنزلة من عند الله تعالى.
هذا الفريق مع تعدد أصنافه وتنوع ملله هم كفار صرحاء يعلنون كفرهم ولا يحيدون عنه لا في معتقدهم ولا بألسنتهم ولا بجوارحهم، كما قال تعالى عنهم: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ ءأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ} [البقرة (6) ]
وقال تعالى: {بَلْ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ (2) كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلاتَ حِينَ مَنَاصٍ (3) وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (4) أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (5) وَانطَلَقَ الْمَلأ مِنْهُمْ أَنْ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ (6) مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلاَّ اخْتِلاقٌ (7) } [ص]
و كما قال تعالى عن قول قوم هود لنبيهم صلى الله عليه وسلم
{قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنْ الْوَاعِظِينَ (136) إِنْ هَذَا إِلاَّ خُلُقُ الأَوَّلِينَ (137) وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (138) } [الشعراء]
الفريق الثالث: كفار شديدو الحرص على تحقيق مصالحهم المادية التي يتلونون ويتقلبون بتقلبها، وهم الذين يظهرون أنهم مسلمون إذا كان المسلمون أقوياء، فيظهرون للمسلمين أنهم منهم ليتخذوا ذلك وسيلة للحصول على منافعهم قِبَلَ المسلمين، ويظهرون للكفار خفية عن المسلمين أنهم منهم، حتى إذا قويت شوكتهم على المسلمين، نالوا منهم مآربهم، وهؤلاء هم المنافقون الذين قد يتخذون مسميات شتى تتناسب مع العصر الذين يعيشون فيه.
وفي هذا الفريق قال تعالى: {وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (8) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (9) } [البقرة]
وكشفت آيات الكتاب المبين والسنة المطهرة صفاتهم ودسائسهم ومكرهم بالمسلمين وموالاتهم لإخوانهم الصرحاء الكافرين في حقيقة الأمر، وإن تظاهروا بالولاء للمسلمين حرصا على مصالحهم المادية، عندما يكون المسلمين أقوياء.